في الطرف الشمالي الشرقي من سوريا تظهر بوادر صراع على الثروات النفطية المحتملة في المنطقة الكردية النائية، مما يهدد بجر تركيا وأطراف كردية متنافسة ومقاتلين عرب إلى جبهة جديدة في حرب معقدة بالفعل.
بهدوء وبقليل من الدماء التي تسفك في مناطق أخرى منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا ضد الرئيس بشار الأسد قبل 19 شهرا تقتنص الأقلية الكردية الفرصة للحصول على حكم ذاتي وحقوق حرمت منها طوال عقود. وبينما تنخرط القوات السورية ومقاتلون عرب في قتال الى الغرب، استغل حزب كردي سوري على صلة بانفصاليين أكراد أتراك فراغا ليفتحوا مدارس ومراكز ثقافية كردية وأقساما للشرطة ويشكلوا ميليشيات مسلحة.
لكن النفوذ المتنامي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لا يقلق تركيا وحدها التي تخشى أن تتحول المناطق الحدودية إلى موطئ قدم لحزب العمال الكردستاني لكنه يزعج المقاتلين العرب في سوريا الذين يرون في الميليشيات الكردية تهديدا.
وفي مكتب حزب الاتحاد الديمقراطي في مدينة ديريك الكردية السورية حيث تزين الجدران صورة لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وصور لأعضاء يقول الحزب إنهم قتلوا على يد نظام الأسد تسود نبرة من التحدي. يقول محمد سعيد الناشط في الحزب: «لدينا حقوقنا.. لدينا أرضنا، لسنا لاجئين هنا وسنحمي أنفسنا... لا يمكن أن نقبل أن تأتي أي قوة من الخارج إلى هنا».
دوريات ومدارس
على طول الحدود السورية مع العراق يحرس رجال ميليشيات كردية يرتدون الجينز ومسلحين ببنادق كلاشنيكوف نقطة حدودية، حيث كانت قوات الأسد ذات يوم تنظم دوريات عند سفوح التلال التي تنتشر عندها مضخات نفطية متوقفة عن العمل. وفي فصل دراسي في ديريك المجاورة تقرأ تلميذات دروسهن باللغة الكردية التي كانت ممنوعة في المدارس حتى أشهر قليلة مضت، ويعلن زعماء أكراد سوريون ولاءهم الأيديولوجي لأوجلان الزعيم الكردي المسجون في تركيا.
في بلدة ديريك التي يبلغ عدد سكانها 70 ألفا وتحيط بها حقول جافة تبدو الحياة اليومية تسير بصورة طبيعية بصرف النظر عن وقوف الناس في طوابير طويلة في انتظار الحصول على غاز الطهي. ويحرس أفراد ميليشيا كردية نقاط تفتيش صنعوها من الصخور واطارات السيارات. وتدير لجان محكمة كردية وخدمات مثل تسليم إمدادات الوقود. وفي المدرسة الوحيدة المفتوحة بالبلدة يتعلم التلاميذ اللهجة الكرمانجية الكردية علناً.
لكن مع ذلك هناك تعايش واضح مع الدولة السورية. ويحتفظ الجيش السوري بنقطة التفتيش الخاصة به من دون تدخل. ويقع مكتب حزب الاتحاد الديمقراطي على مسافة 100 متر من مكتب للاستخبارات السورية ومقر لحزب البعث السوري الحاكم، حيث لا تزال صور الأسد معلقة على الجدران. ويقول ناشطون في حزب الاتحاد إنهم يسمحون بتواجد حكومي محدود في الوقت الحالي حتى يمكنهم الحصول على البنزين من دمشق وإن القوات الحكومية تقبع حيث هي غير قادرة على التحرك.
شكوك محلية
لكن الشكوك أذكت انقسامات خطيرة مع أحزاب كردية أخرى تعتقد أن الأسد سمح لحزب الاتحاد بتعزيز نفوذه مستهيناً باتفاق مع المجلس الوطني الكردي وهو تحالف أصغر. يقول عبد الحكيم بشار رئيس المجلس الوطني الكردي لـ«رويترز»: «يمكننا القول إن المنطقة الكردية أصبحت محررة حين لا تتمكن القوات السورية من الوصول إليها». وأضاف: «في الوقت الراهن ليس هناك مكان واحد لا يمكنهم الوصول إليه إن أرادوا».
وسيكون مصير المنطقة الكردية قضية هامة في سوريا ما بعد الأسد. ويساور القلق معظم أكراد سوريا -أكبر أقلية عرقية في البلاد- من معارضة عربية سورية يهيمن عليها الإسلاميون. ومن سيسيطر على السهول الكردية قبالة تركيا سيهيمن على جزء كبير من احتياطيات سوريا من النفط التي تقدر بنحو 2.5 مليار برميل.
وقبل اندلاع الأزمة كانت سوريا تصدر النفط لأوروبا. لكن موقعها الاستراتيجي على طريق العبور من العراق وايران وتركيا المجاورة يفوق في أهميته انتاجها المتواضع الذي بلغ 400 ألف برميل يوميا قبل الاضطرابات. لكن أكراد سوريا لا يملكون سوى إلقاء نظرة ثاقبة عبر الحدود إلى اقليم كردستان العراق المجاور ليروا كيف يختلط النفط مع الصراع الطائفي والعرقي في المنطقة. ويقول أحد الناشطين السوريين في ديريك: «هذه المنطقة ستكون مثل كركوك تماما»، مشيرا إلى رافعات النفط خارج المدينة. وأضاف: «سيأتي الجميع للقتال على هذا».