أحجمت الحكومة الأردنية عن إعلان تفاصيل برنامج التصحيح الاقتصادي الذي وقعته مع صندوق النقد الدولي، رغم تأكيدات وزير المالية سليمان الحافظ، قبل نحو أسبوعين، أن الحكومة ستعلن عن تفاصيل البرنامج بشفافية الاثنين. ما فتح باباً من التساؤلات بين المواطنين الأردنيين، لكنهم اليوم ينتظرون الإجابة عن سؤال يشغل بالهم: كيف سيتم تطبيق هذا القرار؟ وليس متى؟.
لكن رئيس الوزراء عبد الله النسور لم يفصح عن البرنامج، وبقي طوال الاسبوع الماضي يبشر بقرب رفع الاسعار، الى الحد الذي دفع الكاتب الأردني الساخر أحمد حسن الزعبي الى القول إن الحكومة تماطل كل يوم في تصريحاتها حيال قضية رفع الاسعار، وهي حتماً تقصد من ذلك أن يصبح اللفظ اعتيادياً، وليس مرعباً كما كان في السابق، وبالتالي ما إن يأتي اليوم الذي سيتّخذ فيه القرار، يكون الخدر السمعي قد احتل مساحة ردّة الفعل، ولم تعد تفرق الكيفية ولا التوقيت ولا حجم التأثير حتى.
إرباك حكومي
حديث الزعبي يمكن اعتباره دقيقاً وفي محله، فلم يعد الأردنيون يسألون متى سيتم تطبيق رفع الأسعار، إنهم أدركوا أن القرار أصبح واقعاً مسلماً به، لكنهم ينتظرون معرفة ما هي السيناريوهات المنتظرة لذلك؟.
وتقرأ رئيسة تحرير صحيفة الغد الأردنية جمانة غنيمات، الارباك الحكومي بأنه «يعكس قلقاً حكومياً من إعلان تفاصيل هذا البرنامج الذي يحمل في طياته المكونة من 90 صفحة، العديد من القرارات الصعبة، والملاحظات السلبية بشأن أداء الحكومات في الملف المالي والاقتصادي».
وتقول «لا الحكومة ولا أجهزة الدولة قادرة اليوم على قياس حجم ردود الفعل.. لم تحسب كم سيؤثر ذلك في نظرة الرأي العام لها، ومحاولاتها المتكررة لإخفاء الحقائق».
وما يزيد من الإرباك، هو أن الأسلوب الذي تتبعه الحكومة لا ينطبق فقط على تعاملها المتعلق باتفاقها مع «الصندوق»، بل يتجاوز ذلك، إذ تصر الحكومة على كشف نصف الحقائق، خصوصاً تلك المتعلقة بآلية تسعير المحروقات، وحجم الإيرادات المتأتية من الضرائب المفروضة عليها.
لقاءات ووعود
وما زال رئيس الحكومة يخوض مارثون لقاءاته بالنخب والاوساط السياسية والاقتصادية، لإقناعها بأنه ليس من بديل أمام الأردنيين سوى رفع الاسعار.
والتقى النسور برئيس وأعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، للتشاور معهم حول موضوع عجز الموازنة، وطرق معالجتها في المدى القصير والمتوسط.
وقال إن «الأردن يتعامل مع حقائق أساسية لا يصعب تغيرها في المدى القصير فوراً، ومنها استيراد النفط من الخارج بالأسعار العالمية»، مؤكداً أن هذه المشتقات تباع بالأسعار المدعومة. وأضاف انه لن يسعد باتخاذ قرار رفع المشتقات النفطية، «لكني لن أتخلى عن مسؤوليتي، وإنه ليس من السهل علي أن ألجأ إلى قرار رفع الاسعار، ولكني أريد ان أتحمل مسؤوليتي أمام الوطن والمواطن، دون ان أحمل أصحاب الطبقة الفقيرة والمتوسطة أي أعباء إضافية». في المقابل، أعلن قال النسور انه يريد البحث عن وسيلة كريمة يتم بها توصيل الدعم إلى مستحقيه.
سيناريوهان
وما زالت الحكومة تدرس سيناريوهات تقديم الدعم النقدي للمواطنين، كبديل عن رفع الاسعار. ووفق مصادر مقربة منها، فإن الطاقم المختص استقر على سيناريوهين: الأول يتضمن تقديم 100 دينار للفرد ضمن أسرة دخل حصة الفرد فيها يقل عن 1000 دينار، بمعنى، إذا كان رب أسرة يتقاضى 2000 دينار، ولديه 4 ابناء وزوجة، تتم قسمة 24 ألف دينار كدخل سنوي على عدد أفراد الأسرة، يساوي 4 آلاف دينار لكل فرد، ففي هذه الحالة لا يستحق الدعم النقدي. فيما يتضمن السيناريو الثاني تقديم 100 دينار سنوياً لكل فرد دخله 1000 دينار شهرياً فما دون، مبيناً أن السيناريو الأول تبلغ كلفته 350 مليون دينار سنوياً، بينما تبلغ كلفة السيناريو الثاني 550 مليون دينار، أي بفرق 200 مليون دينار بين السيناريوهين.
تجارب
المفارقة أن عدة سلع اساسية، مثل مشتقات الحليب، بدأت برفع أسعارها، حتى قبل أن تعلن الحكومة عمليات الرفع، وهو عادة اتبعها التجار في مثل هذه المناخات. وخضع الأردنيون لتجارب عدة، يرفع فيها التجار اسعار سلعهم في مناخات عملية الرفع، لكن عندما عادت الحكومة عن قرار الرفع في مناسبات عدة، لم يعد التجار بأسعارهم كما كانت عليه في السابق.