مدينة دير الزور، أكبر المدن الشرقية في البلاد، تعيش في عزلة قد لا تتشابه في تفاصيلها الداخلية المدن والبلدات الثائرة. هذه المدينة التي كان عدد قاطنيها في حدود مليون ونصف بداية الحراك الثوري، بقي منهم قرابة مئة ألف تقريباً لنزوح معظم قاطنيها صوب الحسكة والرقة، وتشتت مصير الآخرين بين أرصفة المدن الداخلية ومخيمات دول الجوار.

هذه العزلة بنظر النشطاء تبرز أهم جوانبها في قطع أواصر المؤازرة العسكرية بين الريف المتحرر نسبياً ومكتف تسليحاً، والمدينة المعزولة كلياً ومفتقرة للأسلحة النوعية، وذلك لخذلان أطراف من القيادة العسكرية في الريف من إرسال السلاح النوعي إلى كتائب الجيش الحر المتمركزة في المدينة، والتي من المفترض أن تتحرر من قوات النظام حسب الاتفاق المبرم بين قيادات الجيش الحر في المدينة والريف.

الاستيلاء على المخازن

وظهر للعيان هذا التصدع بين قيادات الريف والمدينة بعد استيلاء الجيش الحر على المخازن العسكرية من الدبابات، والقذائف المضادة للدروع، والصواريخ المضادة للطيران، ومضادات الطيران الأرضي 23 نصف، وعدد كبير من قذائف الهاون من القواعد العسكرية للنظام المنتشرة في الأطراف المترامية للمحافظة.

على خلفية هذه العمليات التي وصفت من قبل المراقبين بأنها «نوعية»، ذاع صيت المقدم مهند الطلاع الذي انشق عن قوات النظام في وقت سابق، وتبوأ منصب قيادة المجلس العسكري، بين الثوار باعتباره الجهة الوحيدة المخولة لتوزيع السلاح على الكتائب المقاتلة. هذا الاحتكار للسلاح وسوء توزيعه بشكل عادل كما يقول الثوار، وضع الكثير من علامات الاستفهام على سلوك مهند الطلاع.

وما زاد من صعوبة الأمر كما يقول أبو علاء، وهو مقاتل في صفوف إحدى الكتائب العسكرية في حي الحميدية، هو تفجير النظام لمعظم الجسور التي تربط أوصال أحياء المدينة، فضلاً عن تنصيب الدبابات وراجمات الصواريخ على طول خط نهر الفرات،

وتكتمل صورة الحصار والعزلة كما يشير أبو علاء حين تغدو المدينة مكشوفة برمتها على مرمى نيران الدبابات من الطرف الموازي للنهر، قائلاً : «فوهات مدافع النظام المنصوب تجاه معظم الأحياء المنتفضة من مشارف الهضبة المطلة على المدينة، وهي تنتظر ضرب أي تحرك مشبوه من قبل كتائب الجيش الحر داخل المدينة، فهناك تصبح المدينة المنخفضة فريسة سهلة، لإحكام السيطرة عليها من البعيد».

البعد عن المركز

وحسب السكان، تدفع المدينة النامية أصلاً فاتورة باهظة لابتعادها عن المراكز الحيوية كدمشق وحلب، كما أن طبيتعها الجغرافية المكشوفة على الصحراء تجعلها تعيش عزلة ذاتية، لا يتقاسم مرارتها أي من المدن الثائرة التي تكون في الغالب على مسافة قد تكون قريبة من حدود الدول الجوار، في حين الحدود العراقية التي تعتبر أقرب نقطة حدودية تفصل عنها مسافة 200 كيلومتر.

عزلة عن العراق

حسب الأهالي فإن الروابط القربى للعشائر التي تمتد إلى العمق العراقي لم تسعفهم في تقديم يد العون للمدينة، بسبب ما فرضتها حكومة نوري المالكي من إجراءات أمنية بالغة التشدد على طول الحدود، منعاً من تسلل الأسلحة إلى المدينة وريفها من العشائر العراقية المجاورة.

ويشير عبد الله البكّاري، مقاتل من صفوف الجيش الحر، أن «المفاهيم العشائرية العصبية مع الثورة تلاشت، والتحم الكل في خندق واحد، لكن نقص السلاح والذخيرة وضعت الدير في عزلة خانقة، فالمدينة كانت فقيرة في الأصل، ومع استمرار هذا الوضع ستتحول إلى مدينة مدمرة على غرار حمص.