أكّد العالم المصري د. فاروق الباز، أنّ الأوضاع السياسية في مصر تعيش تخبّطاً منشؤه تعيين أولي الثقة بدلاً عن ذوي الخبرة والمعرفة في كل مفاصل الدولة، مشيراً إلى أنّ ساسة البلاد الحاليين يفتقدون الخبرة اللازمة وفشلوا فيما أوكلوا به، لافتاً إلى أنّ رصيدهم في النفاذ اعتمادهم سياسة الاستئثار و«تكميم الأفواه»، مشدّداً على ضرورة عدم ترك الساحة لفصيل واحد يعبث بها كيف شاء، مشيراً إلى فشل حكومة قنديل في تمثيل مكوّنات الشعب.

وأضاف الباز في حواره مع «البيان»، أنّ المحك الرئيسي للتنمية في مصر يعتمد على إصلاح منظومة التعليم وإطلاق قدرات الأفراد وتشجيع الأفكار غير التقليدية، لافتاً إلى أنّ أهداف ثورة 25 يناير لم تتحقق بعد وتحتاج كسائر نظيراتها سنوات عدة تمكّن الجيل الصاعد من تحقيق الآمال بشكل تدريجي..

وفي ما يلي تفاصيل الحوار بين فاروق الباز و«البيان»:

في البدء كيف تقيّم المشهد السياسي الراهن في مصر؟

مازال المشهد السياسي الراهن في حالة تخبّط ترجع في نظري لسبيين اثنين، أولهما الإصرار على تعيين «أهل الثقة» بدلاً من «ذوي الخبرة والمعرفة» في كل المواقع الاستراتيجية، ما يعني استماع أولي الأمر فقط إلى ما يناسب رأيهم ما يبعدهم عن واقع المجتمع، ويؤدي بدوره إلى رداءة العمل وشح النتائج الملموسة، أما السبب الثاني في التخبط الراهن.

فيتمثّل في عدم مصارحة الناس بالواقع الذي يعيشونه ومحاولة إقناعهم بأن كل شيء على ما يرام، وأن المشاكل تحل يومياً إلى درجة الحديث عن 50 إلى 70 في المئة منها وهذا الكلام هراء، فمشاكل مصر كثيرة ومستعصية ولا يمكن حلها بين ليلة وضحاها، إذ تستلزم الوقت والمثابرة والعمل الدؤوب لسنوات طوال، ما يحتّم على أولي الأمر اكتساب الشجاعة ومصارحة الناس بالواقع، وحضهم على المشاركة في حل هذه المشاكل.

باعتبارك أحد العلماء المصريين أصحاب الرؤى التنموية، ما أبرز السبل العملية لتحقيق التنمية؟

عانت مصر طويلاً من الخمول الفكري طوال ثلاثة عقود، وأبرز سبل التنمية يتمثّل في إيجاد شعب قادر يعي دوره في إصلاح الأوضاع والمشاركة في مشروعات الإنماء، وهذا يستدعي قطعاً شعباً مُتعلماً يستطيع التفكير في الأمور ويعي دوره في التنمية الاقتصادية.

ما أبرز القطاعات التي يجب الاعتماد عليها في سبيل إحداث التنمية المنشودة؟

لابد من البدء بإصلاح التعليم في كل مراحله، فمصر تشهد تدهوراً مريعاً في التعليم من الروضة إلى الجامعة، إذ أصبح خريجو الجامعات لا يعون دورهم في ما يحدث في مصر.. كل الدول التي تقدّمت وسبقتنا خلال نصف القرن الماضي بدأت نهضتها بإصلاح المنظومة التعليمية، وعلينا أن نحذو حذوها، وأن نبدأ بإصلاح التعليم في كل مكان وفي جميع المراحل، مع العلم بأنّ هذا سوف يستغرق سنوات عدة إذا أحسنا العمل، وعقوداً عدة إذا لم نبدأ على الفور.

مُحرك تنمية

ما هي أبرز المشروعات التي تعتقدون أنّها المحك الرئيسي للتنمية في مصر؟

في اعتقادي أنّ المحك الرئيسي للتنمية هو إطلاق قدرات الأفراد، إذ عاشت مصر خلال نصف القرن الماضي في جو يسوده إعلاء شأن المؤسسات وإهمال رأي المواطن والمواطنة في كل شيء، ونتج عن الاعتماد الكلي على المؤسسات الواهية غير القادرة على القيام بأي عمل، وانتهاك حرية الأفراد وتكميم أفواههم.. ولذلك يجب علينا إصلاح الوضع بالاهتمام بالفرد وتشجيع كل مبدع ودعم كل بارز، وأعتقد أنّه لا إنماء حقيقياً إلا في ظروف تسمح بدعم كل مفكّر وتشجع الفكر غير التقليدي.

هل تعتقد أنّ مؤسسة الرئاسة التي يسيطر عليها الإسلاميون نجحت في تحقيق آمال الثورة ومطالبها؟

لم تتحقق آمال الثورة الشبابية وهكذا حال الثورات، الثورة المصرية تحتاج سنوات عدة حتى يستطيع الجيل الصاعد الوصول إلى آمالها رويداً رويداً.

تقييم تجربة

وما تقييمك لتجربة «الإسلام السياسي» حتى الآن؟

الساسة في مصر حالياً تنقصهم الخبرة، ولا أعتقد أنّ هناك شيئاً اسمه «الإسلام السياسي»، أعتقد أنّ إدخال الدين الحنيف إساءة للإسلام، ولا يجب أن نحكم على فشل مجموعة ما في إدارة شؤون البلاد إلى فشل الدين الحنيف، لذلك فأنا لا أرجح استخدام أي شعار مثل «الإسلام هو الحل»، لأن الإسلام دين والعمل والتطبيق هو الحل.

برأيك هل تستطيع القوى الإسلامية تحقيق نفس النجاحات التي حققتها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أم تعتقد أنّ رصيدها الجماهيري قد نفد؟

بالفعل بدأ رصيد القوى التي تستحوذ على مقاليد الأمور بالدولة في التدهور، بسبب اعتمادها الكلي على أفراد الجماعة والاستمرار في تكميم الأفواه بالضغط من قبل وزارة الإعلام التي هي في رأيي يجب أن تلغى كلياً، فضلاً عن ادعاء هذه القوى العلم بكيفية التصدي لكل الصعاب، في وقت لا تستطيع فيه حل بعض من مشاكل الاقتصاد والإنتاج، لذا ينبغي على هذه القوى العمل على استخدام كل قدرات الخبراء في مصر، ومصارحة الناس حيال الوضع الاقتصادي لدعم العمل في السنوات المقبلة.

فشل حكومة

وهل تعتقد أن الحكومة الحالية تعبّر عن الثورة وأهدافها؟

لا يمكن للحكومة الحالية التعبير عن الثورة الشبابية لأسباب كثيرة، أولها أنّ الحكومة لا تشمل أعضاء من قيادات الثورة الشابة، وثانيها أنّها تمثل فقط جزءاً من الشعب ولا تمثل النساء والأقباط، وما إلى ذلك من الفئات التي لا يوجد لهم تمثيل في الحكومة.

وكيف ترى فرص التيار المدني الآن في ظل الصعود السياسي للإسلاميين ونجاحهم عملياً في السيطرة على مختلف المؤسسات؟

على كل التيارات خارج جماعة الإخوان الاقتناع بأنّها لم تكسب ثقة الغالبية العظمى من الشعب المصري، ما يعني أنّها يجب أن تعمل من الآن لكسب ثقة الناس إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن يعملوا دائماً لاكتساب ثقة الناخبين والعمل على حضّهم على حل مشكلاتهم وعلى رفعة الوطن برؤى يفهمها الناس ويلتفون حولها.. ويجب أن يقتنع هؤلاء بأن هناك تحدياً حتى لا يسيطر طرف واحد على المؤسسات، فمستقبل الوطن يستدعي الفكر الثاقب والعمل الدائم في سبيل رفعته.