يعتقد جلّ المراقبين أن المواجهة الحقيقية بين الدولة التونسية والتيار السلفي الجهادي لم تبدأ بعد، وأن أحداثا كالهجوم على السفارة الأميركية بتونس، والذي أدى الى سقوط خمسة قتلى وعشرات الجرحى، ومواجهات دوار هيشر التي أدت الى مقتل إمام و مؤذّن مسجد النور وإصابة عدد من رجال الأمن، ومن قبلها حادثة منطقة بئر علي بن خليفة التي نتج عنها مقتل عنصرين «جهاديين» وضابط من قوات الجيش، وحادثة منطقة الروحية التي أدت الى مقتل عسكريين وعنصرين من الجماعة السلفية، كلها ليست إلا مقدمات للمواجهة التي قال وزير الداخلية علي العريّض إنها ستكلّف التونسيين تضحيات مهمة.
وقال الرئيس التونسي المنصف المرزوقي إن عدد المنتمين في بلاده للتيار السلفي الجهادي لا يتجاوز ثلاثة آلاف عنصر، في حين يرى المراقبون أن هذا الرقم قد يكون للجهاديين الموجودين في ضاحيتي دوّار هيشر وحي التضامن من ولاية منّوبة و المتاخمتين للعاصمة، وأن العدد الاجمالي لعناصر التيار الديني المتشدد في تونس يتجاوز الـ 60 ألفا، وأن الحركيين الفاعلين منهم يصل الى 10 آلاف عنصر يوجد أغلبهم في ضواحي العاصمة وفي مدن القيروان وجندوبة وماطر ومنزل بورقيبة وبنزرت.
عنصر الوقت
ويعتمد السلفيون الجهاديون في تونس على عنصر الوقت لاستقطاب المزيد من الانصار واحتلال المزيد من المواقع بهدف خدمة مشروعهم في بناء الدولة الدينية التي يطمحون إليها و هي دولة «لا تؤمن بالديمقراطية وتطبْق شرع الله»، على حد تعبير سيف الله بن حسين المكنّى بأبي عياض، زعيم تنظيم أنصار الشريعة القريب من تنظيم القاعدة، ولا ينفي الجهاديون التونسيون أن لهم امتدادات في الدول المجاورة و في مناطق عدّة من العالم، الأمر الذي تدركه أجهزة الامن التونسية و يخفى عن أصحاب القرار السياسي.
وأشار المرزوقي إلى أن سلطات بلاده أخطأت في تقدير الإجراءات الأمنية اللازمة لمواجهة السلفيين، واعتبر أن الأحداث التي شهدتها العاصمة التونسية خلال الأيام الماضية تعد إشارة إلى ضرورة مواجهة الظاهرة، مضيفاً القول إن تقديرات الشرطة التونسية تشير إلى وجود ثلاثة آلاف سلفي في دولة تعدادها عشرة ملايين نسمة، واعترف بوجود نقص في الإجراءات الأمنية لأن السلطات لم تكن «تتوقع أن يكون هؤلاء الناس على هذا القدر من العنف»، واعتبر أن ما حدث «إشارة إلى أنه علينا أن نوقف هذه الظاهرة وإلا سيضرون بصورة بلادنا». وأردف: «ظننا من قبل أنهم قلة وأن معهم عددا قليلا من الناس، وأنهم ليسوا خطرين لكننا أدركنا الآن أنهم خطرون جدا جدا».
اعتماد الحزم
وفي حين أكد زعيم حركة النهضة الاسلامية راشد الغنوشي على أنّ السلفيين الجهاديين يشكلون «خطرا» على تونس، فإنه دعا الدولة التونسية إلى اعتماد الحزم معهم. وتابع القول: «في كل مرة تتجاوز فيها أحزاب أو مجموعات بطريقة واضحة الحرية، يجب اعتماد الحزم والإصرار على فرض النظام».
واضاف الغنوشي القول إن «هؤلاء الناس يشكلون خطرا ليس فقط على النهضة وإنما على الحريات العامة في البلاد وعلى أمنها».
و تدفع تونس اليوم ثمن إطلاق سراح المئات من العناصر «الجهادية» التي كانت في سجون النظام السابق بعد تورطها في ممارسات إرهابية، والتي وصفها الغنوشي بـ«أنها من قوى الثورة»، الى جانب عودة أعداد أخرى من العراق و أفغانستان والصحراء الكبرى و من السجون الاوروبية، وتغافل اجهزة الدولة عن تحركاتها، مما ساعدها على تجنيد فيالق من الشباب المهمش والمنبوذ اجتماعيا و العاطل عن العمل، و المنحدر من إسر نازحة من الارياف الى المدن و منقطعة عن جذورها الاجتماعية، الى جانب بعض الشباب المنحرف الذي وجد في الانضمام الى الجماعات الدينية المتشددة فرصة للتخلص من أعباء الماضي و للبدء بحياة جديدة، حيث يجد يسرا في الزواج والعمل عبر مد تضامني بين الجماعات الدينية مدعوما من قبل جمعيات ومنظمات من داخل وخارج البلاد.