لا شيء أقل من «سحب الثقة» يصلح لتوصيف الموقف الأميركي من المجلس الوطني السوري بعد نحو عام على تأسيسه. ويبدو أن الاشتباك بالتصريحات الحادة، وخاصة رد الفعل من المجلس، أظهر أن هناك قراراً تم اتخاذه في مطبخ القرار السوري دولياً، مع وجود مؤشرات على انقسام «الطبّاخين» إلى تيارين.

المجلس الوطني ينهي مسيرته بمواقف لا سياسية، فتصريح القيادي في المجلس الوطني جورج صبرا بأنه لا معارضة في سوريا من دون المجلس كلام فيه نبرة تحد لواشنطن وعدم فهم لتوازنات صنع القرار الذي يختلف عن توازن القوى، فالانتخابات الأميركية ستحرق الأوراق التي اعتمدتها واشنطن للتعامل مع الثورة السورية حتى الآن، وهي تحتاج إلى كتلة معارضة تواكب الرؤية الأميركية التي تلوح في الأفق، ومن ملامحها، إعادة الاعتبار للعسكريين المنشقين على حساب القيادات المتطرفة التي تغلغلت إلى الثورة السورية تحت أعين الأميركيين وحلفائهم، ولم يثبت المجلس الوطني طيلة عام على أنه يقود الثورة سياسياً بل يتبع الرغبات والهتافات الآنية التي تظهر على وسائل الإعلام من سوريا. أما واشنطن فهي تريد بلورة قيادة سياسية وعسكرية قادرة على شن حرب على تنظيم القاعدة والمتطرفين على غرار «صحوات العراق» بانتظار أن تنمو «القاعدة» بشكل أكبر، ويبدو أن خوف المجلس الوطني من الشارع يجعله يغض النظر عن المخاطر التي تهدد «سوريّا» الثورة ذاتها، والدليل أنه (المجلس) لم يعترف بخطر المتطرفين إلا بعد تصريح وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون حول الأمر. بالنسبة للولايات المتحدة، المجلس الوطني فقد صلاحيته، ولا بد من تحطيمه، وهذا سلوك سياسي له جذور صناعية أميركية عريقة خاصة في تحطيم السيارات والآليات القديمة وإعاد استخدامها في أمور أخرى وبشكل جديد، أما إبقاؤه كيفما كان فلا ينتمي إلى العقلية الأميركية.

ذراع تركيا

لكن المجلس الوطني ليس نتاجاً سورياً صرفاً في ارتباطاته، وإزاحته من المشهد وخلق إطار بديل له لا ينعكس فقط على الوضع السوري الداخلي، بل إن تركيا تتخذه كذراع لها في سوريا، والمجلس لم يخرج بتصريح واحد حتى الآن يمس تركيا لا من قريب ولا من بعيد، ويبدو أن أنقرة لم تضع الخطة «باء» في حساباتها بسبب عدم قدرتها على بناء تحالفات بديلة لها رأس واضح، وبالتالي ستفقد تركيا خليتها للأزمة في سوريا مع الإطار البديل الذي سينشأ في اجتماع الدوحة بدءاً من اليوم. والرد التركي الرسمي كان دعم تجمع المعارضة تحت سقف واحد، وهو تصريح غير احتفائي جاء بعد موقف «حربي» لممثل المجلس الوطني في تركيا خالد قوجة اعتبر فيها ان واشنطن تريد الإبقاء على نظام البعث، ولم ينس التعريج على الأحزاب الكردية واعتراض المجلس على سعي واشنطن لإشراكهم بما فيهم حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) كطرف أساسي في المعارضة. إذا صح كلام قوجة فهذا يعني ان واشنطن ترى في تركيا طرفاً في انقسام المعارضة.

المأزق التركي

المأزق التركي هو أن عليها الالتحاق بالولايات المتحدة وقطر أو لديها طريق واحد سيجعلها تقلب الطاولة السياسية على رؤوس اللاعبين الكبار في الأزمة السورية، وهو عقد تحالف مع الأكراد السوريين بما فيها إيجاد صيغة توافقية مع أنصار حزب العمال الكردستاني في سوريا، وهو ما دعا إليه أيضاً الباحث التركي في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى سونير كاجاباتي والعديد من الكتاب الأتراك في الصحف اليومية، وهذا له متطلباته التي تحتاج إلى وقت ولا يمكن وضعه على الطاولة فوراً.

السؤال هنا: هل هذا يعني أن تركيا ستفترق عن الخط الأميركي القطري في سوريا؟ الإجابة هي قطعاً لا، فتركيا ستبقى لاعباً على الطاولة بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية بسوريا ورعايتها أكثر من 100 ألف لاجئ وكونها ممراً لتهريب السلاح إلى الجيش الحر، هذه العوامل لا تنزع عن تركيا الرتبة السيادية لها في الملف السوري، لكن لن تكون بأي حال مرجعاً للمعارضة السورية. قد يكون من المبكر القول لحقائب المعارضة السورية: «وداعاً لمطار أتاتورك... مطار الدوحة الدولي يرحب بكم»، فكل ما يجري يبقى في إطار أدوار موزونة بدقة يديرها اللاعبون الكبار.