هناك شعور يخالج صدور المراقبين يتجسد بنسيان منزلة مدينة درعا وما قدمه سهل حوران لدفع عجلة الثورة إلى الأمام، فهي حازت على لقب مهد الثورة السورية بجدارة، وتحملت عبء تداعيات الشرارة المشتعلة من سهولها الخصبة طيلة ثلاثة أشهر بطابعها السلمي. والآن نراها تعيش بصمت مثل الكثير من المناطق التي ثارت وتراجعت دورها في الصفوف الخلفية مقارنة مع قرائنها في المناطق التي توصف بأنها محررة، وتلك التي يشتد فيها صوت القتال.

بيد أن لأهل المدينة وريفها مسوغات قد تكون مقنعة من جهة تراجع مسار الدور الطليعي التي تميزت بها مدينة درعا، وأولى تلك الأسباب كما يروي الناشط الإعلامي منتصر الحوراني مقترن مع سياسة التغطية الإعلامية التي تنجذب أضواؤها صوب المدن الكبرى كدمشق وحلب، فيقول منتصر: «الناس ترى أن تلك المدن الكبرى والمحررة قادرة على إسقاط نظام الأسد لما لها الأهمية الاقتصادية والسياسية والجغرافية». ويقارن منتصر وضع درعا مع ما يجرى في حمص ودير الزور، فكلتا المدينتين بنظره كانتا مشتعلتين بكل المقاييس الثورية، وكانت تدك بكل صنوف الأسلحة الثقيلة وتقدم الضحايا بشكل يومي، لكنها لم تنل حيزاً إعلامياً يستحق. وهذا ناتج عن الأسباب الموضوعية المتعلقة بتوجهات وسائل الإعلام العربية والعالمية.

أسباب ذاتية

أما الأسباب الذاتية كما يقول منتصر فتعود إلى «تقليص مساحة تحرك النشطاء الإعلاميين من داخل درعا نفسها أثر الحصار المطبق من كل المحاور على سهل حوران من قبل القوات النظامية، كما أن تحكم النظام بوسائل الاتصال والأنترنيت من جهة، وضعف التعاون بين وسائل الإعلام مع الناشطين من جهة أخرى، زادت من حدة التعتيم».

لكن هذا الرأي لوحده كما يقول هيثم الذي يعمل في تنسيقة درعا البلد يجافي الحقيقة، ولا يكشف النقاب عنها، قائلاً : «هناك يتمركز ثلث قوات الجيش السوري في قلب المدينة ومحيطها الخارجي، والفرقة الخامسة من أشهر تلك الفرق، من دون نسيان قدوم التعزيزات اليومية القادمة من دمشق من الفرقة الرابعة ذائعة الصيت، والتي يقودها شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، فضلاً عن تهافت الأرتال العسكرية القادمة من مدينة السويداء التي تقع بجوار مدينة درعا».

ويضاف إلى تلك التعزيزات الأمنية والعسكرية، تنصيب النظام منذ اقتحامها لدرعا وريفها في شهر الرابع من العام الماضي 32 حاجزاً عسكرياً (حواجز الموت) على طول وعرض مساحة درعا المدينة، التي تقدر بـ 2 إلى 3 كيلومترات، وهي مساحة صغيرة مقارنة مع البلدات والمدن الثائرة، فضلاً عن انتشار المدرعات والسيارات المصفحة على طول مفارق الحارات الرئيسية، خلقت هذه الحالة كما يقول سعيد الحوراني الناشط في مجال الإغاثة بتقطيع أوصال الشوارع عن بعضها البعض، والحد من حركة الناس والثوار، ويضيف سعيد: «استفردت قوات النظام في تدمير البنية التحتية من حرق الأفران إلى تدمير الصيدليات والأسواق التجارية وإضرام النيران بالمحصولات الزراعية كالقمح والشعير والبساتين والخضار والتي تعتبر مصدر رزق رئيسي لدى سكان الريف والمدينة معاً».

فرق القناصة

ولم يكتف النظام بهذه التعزيزات للجم روح الثورة فقط، بل وزع فرق من القناصة على أسطح المنازل لإثارة الهلع بين القاطنين، فيكشف فداء الذي كان يعمل في مهنة التدريس، وحالياً ينسق مع الجيش الحر في رصد حركة الجيش والقناصين: «المعروف أن استخدام القناصة ضد المدنيين محرم دولياً، كون خروج أية طلقة من الفوهة صوب الرأس أو القلب سيسقط شخص قتيلاً، سيما أن درعا المدينة تمتد مساحتها 3 كيلومترات طولا وعرضاً على سهل منبسط، وهذا بدوره يسهل عمل هؤلاء القناصة برصد حركة المارة والثائرين، ويتجلى خطورة القناصة عند إسعاف الجرحى الذين يسقطون في الشوارع».

ويستطرد فداء قائلاً إن هذه الممارسات ضاقت الخناق بالسكان، وأجبرتهم على التراجع، وبات من الصعب على الناس التحرك بحرية في حياتهم اليومية، وكيف لو كان هذا التحرك يهدف إلى مواصلة الثورة عبر مظاهرات يومية أو أساليب النضالية مشابهة.