ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بخصوص سوريا، يؤشر إلى دور أميركي نوعي قريب على ملعب أزمتها. كلامها بشأن سحب الدعم عن معارضة الخارج، يشي بأن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قرّرت مغادرة المراهنة على التعامل السياسي لوحده مع هذه الأزمة. حرصها على التنويه ببعض المعارضة المقاتلة في الداخل، يفيد بأن الإدارة تعتزم الانتقال إلى قلب الصراع الدائر فوق الساحة السورية وإن من غير تدخل مباشر، لو فاز أوباما بالتجديد. يعني ذلك أنها حسمت، أو على وشك، بشأن المجموعة الميدانية السورية التي تنوي دعمها واستطراداً تسليحها. فاستبدال الطرف السياسي بأطراف مقاتلة، ينطوي ضمناً على قرار لاحق بالتسليح، كخطوة منطقية لهذا التوجه. وإلاّ لكانت الوزيرة تحدثت عن قيادات سياسية بديلة عن المجلس الوطني. الأهم، إن لهذا التحول بُعده الجيوسياسي الذي يتجاوز سوريا وحربها الأهلية، بما هو ردّ فعل ملموس وإن متأخر، على التحكّم الروسي بالأزمة. والخطر هنا أن يصبح الصراع في هذه الحالة محكوماً بالتحوّل إلى منازلة بين الكبيرين في سوريا وعلى سوريا بواسطة السوريين، مع كل ما يترتب على ذلك من تعميق للتمزّق وتوسيع لدائرة النزف والتفكيك. خاصة إذا طال أمد المواجهة.
موقف مفاجئ
منذ اندلاع الأزمة السورية والإدارة الأميركية تقول وتكرّر بأنها تعمل لتوحيد فصائل المعارضة السورية، في الداخل والخارج. أو على الأقل لتقريبها من بعضها وبما يكفل تلاقيها حول برنامج مشترك. فجأة ترى الوزيرة كلينتون، خلال زيارتها لكرواتيا، أن الوجوه الغائبة عن سوريا لمدة «20 أو 30 أو 40 سنة، لا يمكنها أن تمثل معارضة». وكأنها اكتشفت للتّو مدة هذا الغياب ولم تكن تعرف عنه شيئاً في السابق.
ومنذ البداية دأبت الإدارة على استبعاد أي حلّ غير سياسي. وطالما أكّدت مراراٍ وتكراراً بأنها ليست في وارد تسليح المعارضة. فجأة ترى أنه ينبغي أن يكون هناك «تمثيل لأولئك المرابطين في الخطوط الأمامية الذين يقاتلون ويموتون من أجل حريتهم». استطراداً، كأنها تقول بأنه لا بدّ من دعمهم. أي تسليحهم.
معادلة الانتخابات
تذرعت الإدارة في نقلتها هذه، بعقم المجلس الوطني السوري في الخارج وبالخطر المتزايد من تنامي دور وحجم القوى المتطرفة، المحلية أو الوافدة إلى سوريا. ربما كان هذا وذاك من جملة الأسباب. لكن توقيت التغيير في موقف الإدارة، ينطوي على أكثر من ذلك. فهو يأتي عشية انتخابات الرئاسة وفي ظلّ معادلة تبدو كفّة الرئيس فيها راجحة بما يكفي للفوز. من خلاله ترسل الإدارة رسالة مسبقة في أكثر من اتجاه، حول سياستها السورية لمرحلة ما بعد التجديد. وبالتحديد إلى دمشق وموسكو وطهران، بأنها ذاهبة إلى «ترميم» واحتضان معارضة سورية «تتبنى علناً مناهضتها لقوى التطرف التي تحاول اختطاف الثورة». كذلك يأتي كلام الوزيرة عشية مؤتمر الدوحة المتوقع أن يستولد معارضة بتركيبة تحالفية جديدة، لا تخفي واشنطن دورها في حبكها. «توصلنا إلى تحديد بعض الشخصيات التي تتوفر لديها المواصفات القيادية وسوف نلفت المؤتمرين في الدوحة إلى هؤلاء»، كما قال الناطق الرسمي في الخارجية باتريك فاندريل ، خلال اللقاء الصحافي. وأضاف بأن السفير الأميركي لدى سوريا والموجود منذ أشهر في واشنطن روبرت فورد، ربما حضر إلى الدوحة لإجراء مشاورات على هامش المؤتمر.
القناعة السائدة
القناعة السائدة في واشنطن، أن مجلس الأمن طريقه مقفلة وحتى إشعار آخر. ومهمة الابراهيمي حظها ضئيل، إذا كان لها حظّ أصلاً. وأن التدخل الأميركي المباشر غير وارد في حسابات اوباما ولا رومني. خيار دعم معارضة ما، هو الخيار المتاح ولم يعد بوسع إدارة أوباما تجاهله والاستمرار في سياسة طمر الرأس بالرمل. خاصة وأن الانتخابات صارت في حكم المنتهية. طريق يقود إلى ترجمة الدعم بالتسليح، كائن من كان الرئيس الجديد.