يقول القاطنون في حي الشرقية الواقع في مدينة حماه أن الآباء والأجداد الذين عاصروا المجازر في هذا الحي وما حوله من أحياء التي شهدت دماراً شبه كامل العام 1982، تمنوا لأطفالهم ألا يتكرر السيناريو ذاته يوما ما. بيد أن اندلاع الثورة وقمع النظام للشعب الثائر، اعاد إلى الأذهان صور المجازر والدمار ذاته، لكن بسيناريوهات أشد عنفاً على يد الابن الذي ورث عن أبيه حافظ الأسد أهم أجهزة القمع الأمني والعسكري.
ويستعيد هذا الحي اليوم ذكريات أليمة ما فك نسيانها بين طيات الزمان، من القتل اليومي إلى حرق للمنازل والاعتقالات العشوائية تطال جميع الأهالي. وبحسب نشطاء من داخل الحي، فإن الأهالي يعانون من نقص حاد في المؤن الأساسية في ظل فقر شديد، وهي سمة غالبية الناس في هذا الحي، حيث فقد 65 في المئة من الأهالي أعمالهم التي كانوا يسدون رمق أطفالهم منها.
ويشرح الشاب معاذ مسببات الآثار المؤلمة التي حلت عليهم جراء الحملات العسكرية والأمنية، وهو نفسه تعرض للقمع والاضطهاد بذريعة الخروج في تظاهرات تطالب بالحرية، قائلاً: «تم مداهمة منزلي 15 مرة واعتقلت ثلاث مرات منذ أن انطلقت شرارة الثورة في مدينة حماه».
واردف: «ساقونا إلى أحد الأفرع الأمنية، وبعد تحقيق طويل أطلق سراح أهلي، وبقيت أنا في الزنزانة لفترة قبل إصدار حكم بحقي وترحيلي للسجن المركزي، وعند انتهاء محكوميتي أفرجوا عني». لكن مأساة معاذ لا تتوقف هنا، ففي إحدى التظاهرات التي خرجت من حي الشرقية، أصيب بطلق ناري في قدمه.
اضرار ومعاناة
ورغم الفقر الشديد الذي يعصف سكان الحي، إلا أن روح التعاون فيما بينهم لم يغب عن بالهم، فالقيام بتقديم المعونات المادية للعائلات المنكوبة صفة بارزة تميز أبناء الحي، في الوقت الذي ترفض السلطات السورية تعويض المتضررين. فالأضرار التي لحقت بالحي نتيجة الحملات العسكرية تتجاوز قدرة القاطنين على ترميم ولو جزء بسيط من الدمار.
وفي هذا السياق، ينقل عامر، وهو ناشط إغاثي، مستوى معاناة الناس مع اقتراب فصل الشتاء قائلا: «الحي في أسوأ أحواله الآن، لا غاز ولا خبز، وإحضار اسطوانة غاز من المراكز التي تتكفل بموضوع التوزيع يحتاج لجهاد بكل معنى الكلمة».
ويشرح عامر، الذي قتل والده في رمضان الماضي على يد مليشيات النظام، قصة اعتقاله في أحد الأفرع الأمنية في حماه: «تم تعذيبي بأبشع أساليب التعذيب، فمن استخدام الكهرباء بحقي إلى ضرب مبرح بواسطة أسلاك النحاس الكهربائية، وقلع الأظافر لكي أعترف أنني أقوم باستلام مبالغ مالية من الخارج وتوزيعها على الأهالي لكي يواصلوا الحراك الثوري».
