فور خضوعه لعمليتين متتاليتين، يخرج فؤاد فرحان عرب من غرفة العمليات إثر إصابته بطلقة نارية دخلت خاصرته اليسرى لتخرج من جانب العمود الفقري، ولم تكد تمضي ساعة واحدة على إجراء العملية الجراحية للقائد الميداني الذي يناهز من العمر 25 عاماً في مشفى ميداني متواضع في حمص القديمة، حتى وافته المنية وسط الحيرة والصدمة البادية على ملامح زملائه الملتفين حوله، وهم يراقبون سكرات موته الأخيرة.

ويثير هذا المشهد المأساوي شجون صديقه أبو عبيد، وينوح في توديعة جثمان الفقيد: «لا يوجد شيء أصعب من أن تراقب صديقا أو جارا يفارق الحياة أمام ناظريك بسبب انعدام الرعاية الطبية».

وتعكس هذه الصورة الشعور السائد لدى الأهالي والمقاتلين في حمص القديمة، ويزداد منسوب مشاعر الغيظ والأسى لديهم كلما فارق جريح للحياة نتيجة تدني الوضع الطبي، حتى بات لسان حالهم يقول أن المشفى الميداني فقد وظيفته ولم يعد لوجوده أية فائدة أو جدوى بسبب الشح في الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة والكادر الطبي المختص، إذ ان الذين يشرفون على معالجة الجرحى هم ممرضون هواة ينقصهم الخبرة الكافية في مداواة الإصابات الخطيرة رغم جهودهم الحثيثة.

بتر الأطراف

وينقل أبو فادي، وهو مقاتل في صفوف كتيبة الخضراء بحي الحميدية، مأساة زميله محمد أورفلي الذي بترت ساقه اليمنى جراء إصابته بشظايا متفجرة: «لم يندمل مكان البتر طيلة شهر ونصف، ونهش الالتهاب ساقه بالكامل، حتى قمنا بإخراجه من حمص وسط مجازفة كبيرة، لكن اضطررنا إلى بتر رجله كاملة بهدف الحفاظ على حياته».

ويوجد في حمص ثلاثة مستشفيات ميدانية، وهي أقرب من أن تكون صيدليات إلى المستشفيات، ومن بينها مقر يجري العمليات الجراحية بإمكانيات بسيطة وبدائية. ويرد النشطاء هذا التدهور المرعب في الأوضاع الطبية إلى الحصار الخانق المطبق على حمص منذ أربعة أشهر، بالتزامن مع استخدام النظام كل صنوف الأسلحة الثقيلة، لتسفر يومياً عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص من المدنيين والثوار.

بابا عمرو

وفي حي بابا عمرو، تشعر للوهلة الأولى أن أوضاع المشفى الميداني فيه أفضل حالاً، لكن سرعان ما تتبدل الصورة مع الانغماس في تفاصيل العمل الطبي، وتدرك أنها تعاني أيضاً يعاني من مشاكل عدة. مهاب هو طبيب متطوع ، يسعى جاهداً لتخفيف حدة الهول على الأهالي القادمين مع جرحاهم، إلا أن مقدرة المشفى لم تعد تستوعب أكبر عدد من المصابين، إذ يقول إن «المشافي الميدانية أغلقت أبوابها بوجه أكثر من 1500 مصاب في المدينة بسبب نفاد محتوياتها من الأدوية والمستلزمات الإسعافية والكوادر الطبية».

شظايا القذائف

ويعتبر مهاب أن الوضع الطبي في شهر فبراير الماضي بمنطقة بابا عمرو كان أفضل بكثير من وضعها الراهن: «يومياً هناك إصابات متفرقة سواء بين المدنيين أو المقاتلين، وأكثر ما يؤلمنا بحمص هي عمليات بتر الأطراف الناتجة عن الإصابات الوريدية».

ويقول النشطاء في مجال الإغاثة الطبية إن أغلب إصابات الثوار ناتجة عن شظايا القذائف المتفجرة، كما يغلب عليها الطلق الناري من العيار العالي 12.7 أو 14.5، في حين أن سواد الأعظم من إصابات المدنيين هي من مسببات شظايا قذائف متفجرة ( هاون - دبابة - براميل تي أن تي ) وتكون هذه الإصابات بليغة ومؤثرة جداً.

وتعد عمليات البتر من أكثر حالات تداولاً، كما أن هناك حالات متشابهة، وهي أن يصاب العصب بأحد أطراف الجسم، وعندها يشل الطرف بكامله، كما حدث مع الملازم حسين القاسم المتطوع في صفوف الجيش الحر، وقد تم إخراجه إلى تركيا وهو مشلول الجذع والقدمين بسبب إصابة العمود الفقري.

 

 

 

التبرعات الداخلية

 

 

 

تعتبر التبرعات الداخلية المنفذ الوحيد المتاح لتزويد المشافي الميدانية بالأدوية والمعدات اللازمة كما يقول أبو قصي المنسق العام لإتحاد ثوار حمص، ويردف أبو قصي :«كانت هذه التبرعات تشكل دعما جيدا بالنسبة لنا بالاتحاد، وبالأخص أننا غير مدعومين خارجياً». ويضيف :«حتى المساعدات الخارجية التي تأتي من قطر والسعودية والكويت لم يتلق إتحاد ثوار حمص إلا ما ندر، وذلك بسبب مواقفنا المستقلة، وهذا أمر لن نساوم عليه أبداً».