ادلب لا تقصف بالصواريخ فقط، والناس لا يتأذون من الانفجارات وحسب، فالمواطن السوري عبدالقادر الحسن يقول إن «هناك قصفا يوجع ايضا هو قصف انخفاض وارتفاع الأسعار».
يبدو أن السؤال عن الطريقة التي سيعيش فيها الرجل مع ارتفاع الاسعار غير وجيهة في حي يقصف بالطائرات. لكن الحسن يقول: «سواء قصفنا أم لم نقصف سنبقى بحاجة إلى طعام، لنبقى على قيد الحياة.. أليس كذلك؟».
هو كذلك. عبد القادر الحسن في الـ40 من عمره، رب أسرة مؤلفة من ثمانية أشخاص يعيش في مدينة إدلب. وما زال يعمل في إحدى المنشآت الصناعية الخاصة، وهو يعاني، كما سكان إدلب، من فقر وتردٍ في الوضع المعيشي بشكل عام. ثم جاءت العمليات العسكرية للنظام لتضع فوق هذا الفقر مزيداً من الفقر.
ويقول: «كنا فيما مضى نعيش بحال أفضل مع كل الظروف السيئة التي تفرض نفسها، أما اليوم فماذا سأفعل براتب شهري قدره 15 ألف ليرة سورية.. فصاحب العمل يرفض زيادة الاجر للظروف الاقتصادية الراهنة وعدم توفر المواد الاولية لمعمله وكذلك عدم توفر السوق الاستهلاكي لتصريف إنتاجه».
كما ان كل الظروف التي تعاني منها سورية جعلت أسعار السلع والخدمات ترتفع إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، مشيرا الى ان أجور المواصلات بين منزله وعمله باتت تعادل نصف راتبه. هذه العوامل جعلت من مرتب الحسن الشهري مبلغاً تافهاً لا يكاد يكفيه أسبوعا، علماً أنه سابقاً كان يكفي لفترة تصل الى 20 يوماً.
لكن كيف يدبر احواله باقي الشهر؟ يقول: «تأتينا بعض المساعدات من اللجان الإغاثية في المنطقة إلا أن ما يصلنا ليس كافياً». وتكفي جولة صغيرة في الشوارع والاسواق ليتأكد المرء مما حل بسكان إدلب.. غلاء فاحش وسوء الاوضاع يلامس الكارثة بكل ابعادها لولا فسحة أمل لسكان يريدون الخروج أحياء من هذه المحنة.
أثرياء الحروب
بالنسبة الى أحمد العبود الشاب في اواخر العشرينات من عمره، فإن السوق لا يعاني من شيء سوى من سيطرة أثرياء الحروب. ويوضح: «هناك احتكار ورفع اسعار غير مبرر .. فالسوق اليوم من دون رقيب أو حسيب».
ويضيف العبود، وهو شاب غير متزوج يعمل في محل لبيع الالكترونيات: «عملي في هذا المحل أصبح من دون جدوى حيث تمر الايام من دون أن ابيع قطعة واحدة»، مشيراً إلى أن عمله أصبح عبئا عليه، فحتى مصروف مواصلاته لم يعد يملكه. ويضيف: «أسعار وسائط النقل أصبحت خيالية وغير مستقرة على حال .. فأنت وحظك والسائق الذي تركب معه.
مهمة انتحارية
لكن، أحيانا تشعر بأن السائق يملك كل الحق في ان يرفع سعر النقل، فهو يخاطر بحياته إضافة الى انه بالفعل يجد صعوبة بالغة في العثور على المحروقات .. واحيانا تشعر بان المبلغ الذي يطلبه مبالغ فيه جداً.
ويشير العبود الى انه وبعد ان كان سعر ليتر المازوت 20 ليرة، اصبح 90 ليرة، إضافة إلى وجود مخاطر كبيرة، فالطرقات تعج بالحواجز العسكرية والأمنية والمدرعات العسكرية، وليس من قبيل الصدفة ان يتلقى رصاصة ترديه أو قذيفة تفجره وسيارته ومن فيها، فمجرد العمل على هذا الميكروباص او السيارة معادلة بالغة الخطورة.
ويدرك العبود ان «سبب ارتفاع اسعار الديزل عدم توفره في محطات الوقود واعتماد الديزل الذي يأتي تهريباً من دول الجوار بأسعار مرتفعة فالدبابات والمدرعات التي تدك المدن السورية تستهلك كل مادة الديزل الموجودة في البلد». لكن كل هذا ليس بشيء امام الشهور المقبلة .. يقول اختبرنا هذه الشهور العام الماضي ونحن اليوم في انتظار استقبالها مجددا.. أنها اشهر الشتاء والبرد بقساوته المعهودة، بينما مادة الديزل هي المادة الأساسية للتدفئة.
للخبز قصته أيضا
ويعاني الاهالي من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الرئيسية وأهمها الخبز، فهو سلعة تحتاجها كل اسرة وبشكل يومي ولا غنى عنها سواء كانت الاسرة فقيرة أو غنية, وغلاء مادة الخبز يرتبط أيضاً بعدة عوامل هامة حدثنا عنها مصطفى عبد الخالق، أحد سكان المدينة، و يقول: «يرتبط توفر سلعة الخبز بتوفر مادة الديزل ايضاً التي تقوم على وجودها مخابز المدينة كلها فعندما لا يتوفر الديزل لا نجد الخبز سواء كان سعره رخيصاً او غالياً».
وتعمد معظم الافران على شراء المحروقات المهربة بأسعار عالية عندما يتوفر الطحين لديها، وهنا تعمد إلى رفع سعر الكيلوغرام الواحد من الخبز ليصل احياناً إلى اربع او خمس أضعاف سعره الحقيقي.
أصحاب الدخول المحسودة
عمار السعيد موظف في إحدى الدوائر الحكومية، رجل من أصحاب الدخل المحدود أو كما يقول من أصحاب «الدخل المحسود»، فالناس هنا بدأت تعتبر الموظف الذي ما زال يحصل على راتبه رجلاً محظوظاً. ويقول إن إطعام أطفاله الثلاثة جهاد كبير ويحتاج لذكاء وحيلة في وضع خطط التقشف والحيلة في أسلوب الشراء للحصول على أرخص سعر ممكن.
ويضيف: «منذ فترة ليست بالقليلة ونحن نقسم المرتب الشهري على عدد الايام وكل يوم أحمل في جيبي الحصة اليومية من المال مع قرار صارم بان لا انفق غيرها، فكثيراً ما نختصر وجبة او وجبتين من الطعام ونكتفي بواحدة وكثير ما يصاب أحد الاطفال بمرض خفيف ونتركه من دون طبيب أو دواء حتى تتغلب مناعة جسمه على المرض بعد فترة وكثير ما نمشي على الأقدام حتى لا ندفع أجرة مواصلات».