«رمز السلام» في أبرك بقاع البسيطة وأكثرها تدليلاً على السلام وعميق معانيه، في سماء بيت الله الحرام يجوب الحمام جيئة وذهابا، يحط رحاله أنى شاء يختال مزهواً بحسنه سماءه ومهبطه، منظره يلفت أنظار ضيوف البيت العتيق ألفوه فاستأنس بهم، على ساحات الحرم المكي يروح ويغدو لا يخشى خطراً ولا يحمل همّ قوت ولا إطعام صغار.
«حمام الحمى» كما يُكنّيه أهل مكّة يطير في جماعات على مرأى قاصدي البيت في محيط المسجد الحرام وحول مآذنه الشامخة، في اطمئنان أضفاه أمن المكان وحرمة صيده فيه، أمرٌ جعل أسرابه تهبط بين جموع الحجاج والمعتمرين، تلتقط ما نثر لها من حبوب في مشهد سيظل محفوظاً في الذاكرة لارتباطه بأشرف بقاع الأرض.
الحمام ضيفاً وفي منظر مألوف ودون استئذان يحل الحمام ضيفاً على سكان مكّة المُكرّمة في الطرقات والأزقة، متخذاً من أسطح البنايات والفجوات أعشاشًا، فيما وفّرت أمانة العاصمة المقدّسة منذ عدة سنوات ستة أبراج حول جسر الحجون المجاور لمقابر المعلاة، وترى العديد من الأشخاص يغدقون عليها الطعام والماء في مشهد يتكرر كل صباح، فيما يشير مؤرّخون إلى أنّ عناية أهل مكّة وزوار البيت الحرام بالحمام ليست حديثة قدر ما هي امتداد لمن سبقهم في العصور المتقدمة.
وتضاربت الروايات في أصل «حمام الحرم» ففيما ذكر الأزرقي في كتابه «أخبار مكة» وما جاء فيها من الآثار، أنّ أصله من نسل «طير الأبابيل» التي رمت أصحاب الفيل، قال السيوطي إنّ أصلها من الحمامتين اللتين عششتا على غار ثور أثناء هجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، ومنهم من أرجع أصوله إلى سلالة أوروبية، إلا أن ذلك لم يثبت.
