كانت تسمى إدلب الخضراء.. اليوم هي «الجرداء». قالها رجل أربعيني من بلدة تلمنس في الريف الإدلبي، وهو يشير الى آثار الدمار والقصف الذي لحق بمحصوله الزراعي، الذي على اية حال لم يعد سوى ارضا جرداء غير صالحة حتى للسير عليها.

عبد السلام حماش أب لخمسة أطفال لم يعرف مهنة سوى الزراعة. عبد السلام فقد محصوله الزراعي العام الماضي قصفا وتفجيرا: «لم أزرع او استصلح ما يمكن استصلاحه من الأرض، وأنا اعلم انه سيكون هباء عندما يقرر صاروخ من مدفع او طيارة استهدافه». العام الماضي زرع حماش أرضه التي يعتاش منها. يقول: «زرعتها قمحاً واعتنيت بها وانتظرت كل سنبلة أن تنمو وأنا أحتضنها بجهدي وأملي بالحصول على ما أعيل به أسرتي وأؤمن به قوت أطفالي وعندما نضجت السنابل واصفرت معلنة بدء موسم الحصاد، اقتحمت قوات النظام بلدتنا الآمنة وعاثت في الأرض فساداً فأحرقت الزرع والضرع وفجرت وخربت.. مساحات زراعية شاسعة تم إحراقها، توهجت الحقول بحرائق هائلة خمدت عندما قضت على كل سنبلة وكل حلم».

اما عن هذا العام وبعد هذا الحريق، فهي غير صالحة للزراعة حالياً. تعتبر إدلب من أهم المناطق السورية بالنسبة للإنتاج الزراعي، فحوالي ثلث المحاصيل الزراعية السورية مصدرها إدلب الخضراء، وبعد اندلاع الثورة السورية وبدء قصف وتدمير المدن والبلدات الإدلبية بهت هذا الاخضرار لينخفض الإنتاج الزراعي إلى أقل من الربع، حتى كاد ينعدم مؤخراً.

المهندس الزراعي محمد ظافر الإدلبي هو أيضا من سكان بلدة تلمنس في ريف إدلب، يقول إن الإنتاج الزراعي في ريف إدلب يتراجع بشكل تدريجي حتى يكاد ينعدم، فمعظم مناطق وقرى وبلدات إدلب تتعرض أراضيها وحقولها للعبث في هكذا ظروف، منذ عدة أشهر وبينما كان أحد شباب القرية يعمل في أرضه، سقطت قذيفة قربه فأصابته إحدى الشظايا وأردته قتيلاً. ويضيف ظافر: «لم يعد الوضع هنا يسمح بممارسة أية مهنة، خاصة تلك الأعمال التي تتطلب وجود العامل في العراء وتحت السماء، حيث ان السماء هذه الأيام لا تمطر ماء فقط، بل تمطر صواريخ وقذائف، واحياناً براميل من الــ«تي إن تي» المدمرة. ويقول: «في ظل انعدام الأمن لن تكون هناك زراعة ابداً، قد تستطيع أخذ الحيطة عند حدوث القصف المدفعي، فبين كل قذيفة واخرى زمن قصير، ولكنه يكون كافياً أحيانا لأن يحتمي المرء في مكان ما، أما الطيران الحربي فهو المشكلة الكبرى».

ويردف: «تسمع صوت الطائرة ثم صوت الانفجار الذي يحدث نتيجة إلقائها إحدى القذائف أو الصواريخ، الأمر كله يستغرق ثواني، فلا مجال للحيطة هنا، أنت وقدرك قد تكون انت من سيموت أو قد يكون غيرك، وقد تخطئ الطائرة هدفها لذا لا مجال للعمل الزراعي أبداً، فكما تعلمون؛ الحقول ذات مساحات شاسعة وقد يكون حظك أن يبدأ القصف وانت في وسط الحقل».

لقد تخلى الأهالي عن الزراعة التي تشكل قوتهم وحياة اطفالهم حرصاً على الأمن والسلامة، وهذا حقهم الطبيعي.

صحيح انهم سيعانون الفقر وقلة المال ونقصاً بالاحتياجات اليومية إلا أنهم لا يعرضون انفسهم لخطر التواجد في حقول وكروم مكشوفة.

وتشتهر محافظة إدلب وريفها بالتحديد بالعديد من المنتوجات الزراعية، يأتي على رأسها الزيتون والكرز والتين وبعض المحاصيل الحقلية كالقمح والعدس والشعير، وتعتمد هذه الزراعة على الأسلوب التقليدي في كل مراحلها، وهنا تكمن مشكلة مهمة، وهي اليد العاملة وتوفرها.