كان من اللافت أن يتحول الموقف الأميركي بسرعة، بعد اغتيال رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن في بيروت، من لغة التحذير من الفراغ في السلطة إلى لغة التغيير الحكومي المطلوب في لبنان. في البداية، حرصت واشنطن على التريث، ريثما تنجلي الصورة. ثم حمل خطابها ما يشي بدعم بقاء حكومة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، خشية الوقوع في حالة فوضى سياسية وأمنية، مجهولة المآل. لكن هذا الموقف ما لبث أن انقلب خلال أيام قليلة، إلى تأييد مبطّن لتبديل حكومي لبناني، من خلال مباركة واشنطن لعملية المشاورات التي يقوم بها الرئيس ميشال سليمان في هذا الاتجاه.

سحب الدعم

التعليل، أن مثل هذا التوجه هو الكفيل بقطع الطريق على الفراغ. انعطاف واضح. وإذا كان هناك من التباس فقد تولت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إزالته عندما قالت إن «الشعب اللبناني يستحق حكومة تعكس تطلعاته ولا تعمل كوكيل للآخرين». بل ان الإدارة ذهبت إلى حدّ القول إنها «تشجع سائر الأطراف اللبنانية على المشاركة بالاستشارات» الي يقوم بها الرئيس اللبناني في هذا الخصوص. كلام لا يحتمل سوى تفسير واحد، وهو أن الإدارة سحبت دعمها لحكومة ميقاتي المعلّقة. هي لم تقلها صراحة. لكنها لم تنف هذا التفسير. الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية، في ردّها على سؤال «البيان» حول هذه النقطة، اكتفت بالقول ان الإدارة «تدعم عملية التشاور الجارية». يعني رحيل الحكومة. كما امتنعت عن الإجابة حول ما إذا كان التغيير المزمع يشمل ميقاتي ايضاً، بحيث يزاح من لائحة المرشحين المحتملين لرئاسة أي حكومة جديدة. وكأن «الفيتو» على التركيبة وليس على رئيسها.

تلميحات وتساؤلات

رافق هذا التحول تلميحات عن خيوط يقال انها بدأت ترتسم بشأن ملابسات وأبعاد التفجير الذي استهدف رئيس شعبة المعلومات. وحملت علامات استفهام حول أدوار داخلية، تتوقع واشنطن أن تبلورها التحقيقات التي تقرر مشاركة فريق من رجال مكتب التحقيق الفيدرالي، (إف بي آي) فيها. ويرى مراقبون أن التغيير في موقف واشنطن حصل من زاوية أن «الفرصة مواتية الآن لتقليص نفوذ حزب الله وزيادة الضغوط على سوريا». كما يربطه آخرون بحملة التضييق الأميركي على إيران من البوابة اللبنانية، في لحظة تواجه فيها طهران تداعيات العقوبات وتفاقم تبعات الأزمة السورية عليها. خاصة وأنها تزمع الدخول في حوار مباشر مع واشنطن، بعد الانتخابات؛ حول الملف النووي.

التصور السائد بأن جريمة اغتيال الحسن تنطوي على أبعد من حسابات امنية او ثأرية. إزاحته لها جوانب أخرى أكثر خطورة. منها محاولة تصدير الأزمة السورية إلى لبنان. ومنها أيضاً إغراق البلد في أزمة حكم مفتوحة، تجعله رهينة أو ورقة مساومة أو ساحة منكشفة يسهل التصرف بها. المطالبة بحكومة جديدة لا تخلو من المجازفة. التشاور بشأنها قد يستمر شهوراً، كما حصل مع الحكومة السابقة حيث بقي لأكثر من خمسة شهور. خلال هذه الفترة قد تتكشف بصمات ومعطيات بخصوص الجريمة، من شأنها زيادة التعقيدات امام التوافق على حكومة بديلة. وتشكيل هذه الأخيرة من دون حزب الله، غير وارد في ضوء المعادلة القائمة على الأرض.

البقاء مع الحكومة الراهنة صار أيضاً مجازفة. اغتيال آخر يقضي عليها فوراً، مع ما يحملها رحيلها الفوري من مضاعفات خطيرة. باتت وكأن انفراطها مسألة وقت. مأزق ينذر باحتمال دخول لبنان في مرحلة انتقالية، ليس بين حكومتين، بل بين معادلتين. عبور وعر كما هو حال العبور السوري المرتبط به.