على وقع انقسام سياسي حاد تعيشه تونس هذه الأيام، مرت الذكرى الأولى لأول انتخابات حرة أوصلت حركة النهضة إلى الحكم في تونس بسلام، ودعا الرئيس التونسي المنصف المرزوقي الأحزاب السياسية، إلى وقف تبادل «إطلاق النار الإعلامي» للحفاظ على الوحدة الوطنية، بينما دعا رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر القوى المدافعة عن الثورة إلى عدم الانسياق وراء «العنف السياسي»، في حين حذر رئيس الحكومة حمادي الجبالي، من أن عدم اجراء انتخابات عامة في مطلع صيف 2013 سيعرض البلاد لمخاطر لا يمكن تحملها.

وقال المرزوقي في خطاب ألقاه في المجلس الوطني التأسيسي، الذي احتفل امس بمرور عام كامل على انتخاب أعضائه في 23 أكتوبر 2011، إن «التخوين والشيطنة لأي طرف كان، والتحريض والقدح في الأشخاص هي من أكبر عوامل الاحتقان في تونس اليوم». وشدد في هذا السياق على ضرورة «رفض تقسيم التونسيين إلى أشرار وأخيار، مفسدين ومصلحين، ثوريين ورجعيين، علمانيين وإسلاميين، حداثيين وسلفيين، أي تقسيم إلى تونسيين من درجة أولى وتونسيين من درجة ثانية».

وقال المرزوقي إن «مصلحة الوطن تقتضي في هذا الظرف الدقيق وقف إطلاق النار الإعلامي بين الأطراف السياسية»، كما «تقتضي صدمة إيجابية وانطلاقة جديدة». ودعا إلى العمل من أجل تحقيق أوسع نطاق ممكن من التوافق وتفعيل الهيئات المستقلة الثلاث للانتخابات والقضاء والإعلام، وإلى صياغة القانون المنظم للانتخابات التشريعية والرئاسية قبل دخول الصيف والانتهاء من إعداد دستور لدولة مدنية يسودها نظام سياسي تعددي في الذكرى الثانية للثورة.

تحذير من الفرقة

من ناحيته، قال رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر في خطابه إن «المرحلة تستدعي من كافة القوى المدافعة عن الثورة، أن لا تنساق في طريق العنف السياسي، علينا جميعا، إزالة حالة الاحتقان والتجاذب وتغليب لغة العقل والحوار والتهدئة».

وأضاف بن جعفر أنه «لا بد من الوفاق والتعايش رغم الاختلاف في السياسات»، محذرا من «الفرقة والخلاف والعداء». وتابع القول إنّ «الأحداث الأخيرة التي شهدتها بلادنا وتصاعد مظاهر التوتر والخطابات المتشنجة التي تفتح الباب أمام العنف بمظاهره اللفظية والمادية، خط احمر يجب الوقوف عنده».

تسريع الاستحقاقات

من جهته، دعا الجبالي في خطابه إلى «التسريع في مواعيد الاستحقاقات السياسية القادمة والمصادقة على الدستور (الجديد) مطلع السنة المقبلة واجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تراعي المعايير الدولية في مطلع الصيف القادم»، قائلا «هو في رأينا أمر مقدور عليه». وأشار إلى أن «تأخير موعد الانتخابات لأي سبب من الأسباب لأكثر من التاريخ المقترح عن مطلع الصيف المقبل على أن لا يتعدى ذلك الـ30 من يونيو؛ سيعرض في رأينا بلادنا لمخاطر ومنزلقات لا يمكن تحملها»، دون توضيحها.

وطالب الجبالي «الأحزاب السياسية والأطراف الاجتماعية والإعلامية وكل مكونات المجتمع المدني» في تونس إلى «تحمل مسؤولياتها التاريخية» وتجنب «دفع الأوضاع للتأزم والتناحر حتى العنف، وذلك بتغليب الأجندات الحزبية والشخصية والفئوية الضيقة وتهييج النعرات». وأردف أن تونس « تمر بمنعرج خطير يقتضي من الجميع الارتفاع إلى مستوى آمال الشعب التونسي والشعوب التي ترقبنا في تحقيق أهداف الثورة المتمثلة في بناء نموذج مجتمعي يقوم على مبادئ الديمقراطية ومدنية الدولة والحقوق والحريات، والحفاظ على مكتسبات مجتمعنا، وخاصة المساواة بين المرأة والرجل والتداول السلمي على السلطة والاعتدال».

وتعيش تونس هذه الأيام على وقع انقسام سياسي حاد، حيث تباينت الآراء واختلفت المواقف وسط تبادل الاتهامات، حتى وصل إلى داخل المجلس التأسيسي، فيما قاطع جلسة امس نواب المعارضة، كما وصل الانقسام أيضا إلى الشارع، حيث خرجت بعض المسيرات المناهضة للائتلاف الحاكم وأخرى مؤيدة له.

وتخطّت تونس عقبة يوم 23 أكتوبر بعد أن كان الشارع متخوّفا مما قد تعرفه الذكرى الأولى للانتخابات من اعمال عنف وانفلات أمني. وشهدت الساحة المقابلة للمجلس الوطني التأسيسي بضاحية باردو مسيرتين، احداهما لقوى المجتمع المدني، التي نادت بالإطاحة بالحكومة ونزع الشرعية عنها، ودعت الثانية إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ودعم حركة النهضة و«تطهير البلاد من أزلام النظام السابق والتجمعيين والعلمانيين واليسار»، كما عرف شارع الحبيب بورقيبة مناوشات بين محتجين وقوات الأمن، ثم سرعان ما انتقل المتظاهرون إلى شارع فرنسا للمناداة بإسقاط الحكومة.

وتصدّت قوات الأمن لمسيرة احتجاجية بنهج روما في قلب العاصمة، كانت ترفع شعارات مناوئة لحكومة حركة النهضة، وفي مدينة سوسة نظمت الجبهة الشعبية ذات المرجعية اليسارية مسيرة سلمية دعت خلالها إلى تشكيل حكومة جديدة.

وعرفت المعاهد الثانوية بعدد من مدن البلاد إضرابات عن الدراسة ومسيرات قادها التلاميذ تدعو إلى إسقاط الحكومة، وفي سيدي بوزيد قامت المحكمة الابتدائية بالإفراج عن عدد من المعتقلين في الأحداث التي شهدتها معتمدية منزل بوزيان. وشهدت مدينة قابس (جنوب شرق) إضرابا عاما شمل كل القطاعات بسبب الأداء الأمني «غير اللائق» مع الاحتجاجات التي عرفتها المدينة خلال الأيام الماضية، و يتواصل حظر التجوال في المدينة مصحوبا باختراقات من قبل المحتجين.

هجوم سلفي

في هذه الأجواء الباحثة عن سكينة سياسية، هاجم زعيم جماعة انصار الشريعة في تونس، المقربة من القاعدة، سيف الله بن حسين، المعروف باسم ابوعياض، الحكومة؛ واصفا إياها بانها عميلة للغرب، ودعاها في تسجيل فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الإفراج فورا عن السلفيين الذين اعتقلوا بعد الهجوم على مقر السفارة الأميركية الشهر الماضي. كما اعلن عن تشكيل لجان قال إنها ستكون في حماية الشعب في حال حدوث قلاقل في البلاد، بينما وصف الرئيس المرزوقي بـ «الطاغوت المرتد».

تراجع حقوق الإنسان وتشكيك في التزام الحكومة

 

حذرت منظمة العفو الدولية من ان التقدم الذي سجل في مجال حقوق الإنسان منذ إسقاط الرئيس زين العابدين بن علي في تونس يتراجع على يد الحكومة الحالية، مشككة في التزام هذه الحكومة بالإصلاح. وقالت المنظمة في بيان أصدرته بمناسبة مرور عام على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 اكتوبر 2011 إن «التقدم في مضمار حقوق الإنسان الذي اعقب إسقاط زين العابدين بن علي.. يشهد اليوم عودة إلى الوراء على يد الحكومة الحالية» التي تقودها حركة النهضة الإسلامية. وأضافت أن ذلك «يثير الشكوك حول مدى التزامها بالإصلاح». وتابعت المنظمة أن الحكومة الحالية «اختارت ألا تحافظ على المبادرات» الإصلاحية التي اتخذتها قبلها حكومة تسيير الأعمال الانتقالية.