عاد الطفل لتوه الى معرة النعمان، المدينة الاستراتيجية في شمال غرب سوريا التي يسيطر عليها الجيش الحر، لأن والديه اعتقدا ان الخطر تجاوزها. كان يلهو على دراجته الهوائية حين طمرته تحت الركام قذيفة ألقتها طائرة حربية. لايزال الجزء الاعلى من جسده تحت الركام، ولا ترى منه سوى رجلين صغيرتين مشوهتين في شكل رهيب وتغطيهما الحجارة، وقدمين مكتنزتين ما زالتا على دواستي دراجة هوائية للاطفال. سحبت من تحت الانقاض جثة بلا رأس لهذا الطفل، وحملها بأطراف ايديهم أقارب كواهم الحزن. في مواجهة رهبة ما رأوا، كانوا يتضرعون الى الله. أدى القصف أيضا الى تمزيق جسد طفل آخر كان يلهو في الحي نفسه.

على بعد امتار من مكان سقوط القذيفة، تخرج امرأة متألمة من نافذة منزلها الواقع في الطبقة الارضية. هي مصابة بدوار وما زالت في ملابس النوم، لكن نجاتها من الغارة اعجوبة في ذاتها. هوى المبنى كقصر من أوراق اللعب، لكن صالون منزلها صمد.

على حين غرة

أخذت هذه الغارة المفاجئة على حين غرة، عددا قليلا من السكان الذين ما زالوا في معرة النعمان التي هجرها غالبية قاطنيها الـ125 ألفا بسبب الغارات المتكررة التي تتعرض لها المدينة وأطرافها منذ سيطرة الجيش الحر عليها في التاسع من الشهر الجاري. ووقعت المجزرة أول من أمس في جنوب غرب المدينة الذي بقي نسبيا في منأى عن القصف. ودفع هذا الاعتقاد الخاطئ اهل الطفل الذين لجأوا الى بلدة كفرنبل القريبة منذ عشرة ايام، للعودة الى معرة النعمان. ودمرت القذائف في شكل كامل مبنى من اربع طبقات، في حين تسببت بدمار جزئي في مبنى مجاور ومسجد لجأت اليه نساء واطفال، معتقدين انهم سيتمتعون بالأمان في دار العبادة هذه.

وأدت هذه الغارات الى حصيلة دموية: 44 قتيلا من بينهم 23 طفلا، بحسب ما افاد المسعفون. وفي اروقة مستشفى ميداني اقيم في إحدى مدارس المدينة، رأى صحافي فرانس برس 32 جثة بينهما ستة لأطفال وضعت داخل اكفان بيضاء، اضافة الى اكياس من البلاستيك كتب عليها «اشلاء». وأضاف طبيب يعمل في المستشفى: «لم ينج من الغارة حتى الآن سوى ثلاثة اشخاص، بينهم طفل في الثانية من عمره، بقي على قيد الحياة بين ذراعي والده الذي توفي».