قالت مصادر سياسية لبنانية إن الرئيس ميشال سليمان وضع المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي خلال زيارته بيروت أول من أمس في صورة الثوابت اللبنانية التي أقرّت في طاولة الحوار، عبر وثيقة «إعلان بعبدا»، وعمّمت على الأمم المتحدة والجامعة العربية وفي المحافل الدولية، فشدّد على حياد لبنان، وعلى سياسة النأي بالنفس - التي تعاني من ثقوب ما يقال عن تدخل حزب الله في سوريا- باعتبارها أسلوباً جيداً يبعد الساحة الداخلية عن تردّدات محتملة للحريق السوري، بفعل الإنقسامات الداخلية في لبنان على خلفية الصراع فيها وعليها.
ووفق المعلومات أيضاً، كان الإبراهيمي تسلّم قبل وصوله الى بيروت مذكرة من المعارضة السورية، تدعوه الى الطلب من مجلس الأمن والجامعة العربية عقد جلسة طارئة لمناقشة ما سمّته «تدخل وحدات من حزب الله في حرب النظام ضد الشعب السوري، وتورّطه في أعمال القتل اليومية بحق المدنيين».
وفي حين جدّد الإبراهيمي الحديث عن «هدنة» في سوريا لمناسبة الأعياد، إنطلاقاً من قناعته بضرورة «تقليل عدد القتلى أيام العيد»، فإن الرسالة الأهم التي حملتها الزيارة هي التحذيرات التي انطوى عليها كلامه، إذ حذّر من أن الأزمة السورية «لن تبقى داخل حدود سوريا إلى الأبد»، بل إنها، إذا لم تعالَج سريعاً، ستمتدّ و«تأكل الأخضر واليابس»، على حدّ تعبيره، وهو الذي تحدّث عن دور يفترض أن تلعبه دول الجوار، ولبنان من ضمنها بطبيعة الحال.
انسجام برّي
وفي سياق متصل، برز موقف جديد لرئيس مجلس النوّاب نبيه بري ينسجم، بشكل أو بآخر، مع الكلام الأخير للأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، إذ أكد حق العائلات اللبنانية التي تسكن في الأراضي السورية، لجهة الحدود، في الدفاع عن نفسها وحماية أملاكها ومنازلها، مشدّداً على أن «الدفاع عن النفس حق مشروع، ولا يتناقض مع مبدأ النأي بالنفس»، مع دعوته في سياق آخر للتمييز بين الواجبات الإنسانية المطلوبة من اللبنانيين حيال النازحين السوريين، وشروع البعض منهم في نشاطات سياسية.
وبحسب مصادر معنية بهذا الملفّ، فإن سياسة الدولة اللبنانية في النأي بالنفس باتت تعاني من «ثقوب» آخذة في الإتساع والتمدّد، تحت وطأة احتدام المواجهة العسكرية في سوريا وارتفاع منسوب التفاعل اللبناني معها. أما التحدّي الأساس، فلم يعد يقتصر على مدى النجاح في ضبط الحدود والحدّ من التأثر أو التأثير بما يجري في داخل سوريا، بل هو انتقل الى قلب لبنان، مع تزايد أعداد النازحين السوريين الذين يضمّون في صفوفهم حالات إنسانية، وأخرى ملتبسة يُخشى أن تشكّل عبئاً أمنياً.
طائرة أيوب
الى ذلك، لم تغب طائرة «أيوب» التي أطلقها حزب الله باتجاه الأراضي التي تحتلها إسرائيل في فلسطين وتفاعلاتها عن المسرح السياسي، وخصوصاً في مواقف نواب قوى 14 آذار، الذين تطوّرت مواقفهم من مستوى الإستنكار الى حدود الطلب من المسؤولين في الدولة إستدعاء السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي واستيضاحه حول الطائرة «الإيرانية» وتسليمها لحزب الله وإرسالها الى صحراء النقب «من دون أدنى اعتبار للدولة اللبنانية، وخرق كل اتفاقات التعاون والتنسيق الموقعة بين الدولتين على أساس احترام سيادة كل منهما»، وسؤاله عن أسباب وأبعاد خرق المواثيق والأعراف الدولية في هذا المجال، مع إقرار إيران برواية حزب الله.
وأكدت مصادر في قوى 14 آذار لـ«البيان» ضرورة مساءلة حزب الله في جلسة الحوار المقبلة، حول خرقه «إعلان بعبدا» الذي التزم به ووقّعه كل الأفرقاء بمن فيهم الحزب، واعتبرت أن جدوى الحوار تنتفي في ظل خرق هذا الإعلان والضرب به عرض الحائط على رغم إعلان التزامه وتوقيعه.
في غضون ذلك، وفي حين لم تبرز عوامل محرّكة للمراوحة السياسية في ملف قانون الإنتخاب، إذ لا يزال كل فريق يقف على متراسه، متسلّحاً بمشروعه لقانون الإنتخاب، وطالباً من الفريق الآخر إلغاء طرحه وتبنّي صيغته، جدّد رئيس مجلس النواب إشارته الى دعم أي صيغة لقانون الإنتخاب تؤمن التفاهم وترضي الجميع وتنسجم مع إتفاق الطائف.
فرض الأمن
وأمنياً، واصلت الأجهزة الأمنية خطتها المرسومة لفرض الأمن على مساحة البلاد، وبدأ الجيش اللبناني انتشاراً عملياً في البقاع. وأشارت مصادر أمنية لـ«البيان» الى أن الخطة التي تنفّذ تباعاً في المناطق ليست أحادية، بل تأتي في إطار متكامل وتنسيق بين الأجهزة الأمنية كافة، وهي ستمتد الى المناطق كافة من دون أي استثناء، بعدما توافر الغطاء السياسي الذي كان مفقوداً سابقاً، بما يكفل فرض القانون على الجميع واستعادة الدولة هيبتها. وأكدت المصادر أن الفرصة المتاحة لضبط الأوضاع وتفعيل مؤسّسات الدولة، على الأصعدة كافة، كبيرة جداً توجب الإفادة منها الى أقصى الحدود لتستعيد الدولة اللبنانية موقعها وحضورها، والأهم ثقة المواطن بها. وفي السياق، يجدر التذكير بأن الرئيس نبيه بري إستضاف، في 15 أكتوبر الفائت، ما يزيد على 200 شخصية بقاعية تمثل كل الأطياف، من رؤساء بلديات ومخاتير وفعاليات عشائرية وعائلية ومثقفين، وعرض أمامهم لضرورات الأمن في البقاع، ووصله بضرورات الإنماء.
الاستراتيجية الدفاعية
أشارت المصادر نفسها الى أن هيئة الحوار الوطني مهمتها سياسية، وبحث الإستراتيجية الدفاعية فيها محوره سياسي لا تقني، باعتبار أن الشؤون الدفاعية هي من اختصاص الأجهزة العسكرية والأمنية الضنينة بالتقنيات الخاصة، بعكس أهل السياسة. وفي سياق الحوار، تجدر الإشارة الى أنه لم يصدر عن رئاسة الجمهورية حتى الآن أي إعلان رسمي عن إرجاء جلسة الحوار من 12 الى 29 نوفمبر المقبل، كما تردّد. وعلمت «البيان» أن الرئيس سليمان سيجري جولة مشاورات واسعة مع القوى السياسية لتمهيد المناخات المناسبة للحوار، وأن رسالته في مناسبة عيد الإستقلال، التي تصادف 22 نوفمبر، ستتضمن مواقف مهمة تضيء على «إعلان بعبدا» وحياد لبنان وثوابته.