المكان هو نفسه الذي ظل متربعا على عرشه منذ العام 2006، منذ أن عينه الرئيس السابق حسني مبارك خلفا لماهر عبد الواحد، لكن الزمان ليس نفسه، ولا الأجواء التي اعتاد أن يعمل فيها، فالنظام الحاكم تغيّر بفعل ثورة شعبية هائلة في 25 يناير أسقطت نظام مبارك، وبات هؤلاء الذين كان يشملهم بإدانتهم في ملفاته القضائية دائنون الآن، عقب أن خرج بعضهم من المعتقلات، بل وصلوا إلى سدة الحكم بعد أن كانوا فيما مضى مدانين على أعتاب السجون والمعتقلات.. وجد النائب العام المصري، المستشار عبد المجيد محمود نفسه أمام صراعات متعددة، عليه أن يحسمها بوجهة نظره القانونية.. لكنه فجأة وجد ذاته طرفا في ذلك الصراع!.

وكسب المستشار عبد المجيد محمود الجولة الأولى في صراعه مع رجال الدولة الجدد من الإسلاميين، عقب أن اضطرت مؤسسة الرئاسة إلى أن ترضخ لمطالب القضاة، وتتراجع عن محاولات إقصائه من منصبه، فعاد لمكانه، يمارس عمله، وأمامه عيون تترصده، ومنافسون (من المفترض أن يكونوا معاونين له في القضاء على الفساد) يتلصّصون على عمله، يهاجمونه بضراوة وقوة.. ما جعل الشارع المصري كله يتساءل: هل يكون النائب العام خلال المرحلة المقبلة جانيا أم مجنيا عليه؟.. وهل يدخل في تصفيات حساب مع الإسلاميين الذين حاولوا إقصاءه؟ أم يقوم الإسلاميون أنفسهم من خلال مؤسسة الرئاسة بالتضييق عليه ويجعلونه يدفع فاتورة انتصاره الأول عليهم في المعركة الضارية التي شهدها الأسبوع الماضي؟.

ويضع رئيس حزب العمل مجدي حسين، في تصريحات لـ«البيان» إجابات شافية لعلامات الاستفهام التي دارت بالمشهد المصري خلال الآونة الأخيرة، قائلاً: «يُحدد القانون علاقة النائب العام بالدولة، ويُحدد أيضا مسؤولية رئيس الجمهورية نفسه وفق قانون السلطة القضائية بأنه لا يجوز إقالته، فقط يسمح له بالتصديق على تعيينه، بخطاب من المجلس الأعلى للقضاء.. ما يعني أن العلاقة بين الطرفين سيكون القانون اللاعب المُحدد لها، رغم رغبة قوى سياسية وثورية متعددة بضرورة إقصاء النائب العام، لكن تم الانتصار للشرعية القانونية»، في تأسيس لآلية تعامل واضحة وشفافة لا يمكن اختراقها وهي القانون.. قائلاً إن «قرار مرسي بإقصاء النائب العام سليم، ويحقق طموحات المشهد السياسي»، لكن الإجراء نفسه «مخالف للقانون»، ولذا نجح النائب العام في الفوز بتلك الجولة.

تصفية حسابات

ويؤكد مراقبون على أن مُحددات العلاقة بين النائب العام والرئيس لا يمكن أن تخرج عن نطاق «تصفية الحسابات» خلال المرحلة المقبلة، فالرئيس ومعه فصيل ليس بالقليل من القوى السياسية والثورية يريدون التنكيل بالمستشار عبد المجيد محمود، ويعتبرونه قد عطل جملة من القضايا، وتلكأ فيها، وأسهم في تضليل العدالة، ولابد من «القصاص منه» بإزاحته عن منصبه، ولربما إحالته للمحاكمة أيضا عبر طرح «كشف حساب» له عن عمله خلال المرحلة التي تلت الثورة، ولربما مواقفه في قضايا سابقة للثورة.. أما عبد المجيد محمود نفسه، فيريد مواصلة الانتصار لدولة القانون، والتصدي للإسلاميين بشكل عام، بدعم من عدد كبير من القضاة، ولا يخفى عليه، رغم شعوره القوي بالانتصار والثقة في نفسه التي أعطته نوعا من الاستقواء، أن الإسلاميين يترصدون له.

بلاغات

كان ضمن أول قرارات النائب العام المصري فور انتصاره في معركته ضد الرئيس محمد مرسي إحالته عددا من البلاغات (20 بلاغا) ضد قياديين إخوانيين، هما محمد البلتاجي، ود. عصام العريان، يتهمهما بتحريض شباب الإخوان على التعدي على المتظاهرين في جمعة «كشف الحساب» الأخيرة، والتي شهدت اشتباكات قوية بين أنصار ومعارضي الرئيس، في بادرة فسّرها بعض المراقبين بأنها نوع من أنواع تصفية الحسابات مع الإسلاميين.