«كابوس مخيف» ظنّ المصريون ذهابه إلى غير عودة، أطلّ برأسه على المشهد من جديد، مكانه ميدان التحرير، تفاصيله دماء تراق على الطرقات، خلاصته «حرب أهلية»، بواعثه بلا شك اتساع هوة الخلاف بين القوى السياسية في تباين الرؤى واختلاف الأهداف، فضلاً عن تباعد تقييم لأداء مؤسسة الرئاسة خلال المرحلة الأخيرة، كابوس ضخّت الدماء في شرايينه مليونية جمعة «كشف الحساب»، وأظهرته في نسخة مصغّرة على ما يري مراقبون، على خلفية الاشتباكات الدامية بين معارضي ومؤيدي مرسي.
ويشير المراقبون إلى أنّ شعور القوى المدنية والفصائل الثورية باستقواء الإسلاميين، يعتبر خير داعم لفكرة الصدام بين الطرفين، لا سيّما مع وجود رغبة قوية لدى الإسلاميين في الاستحواذ على كل مؤسسات الدولة، وفرض الهيمنة عليها، أمرٌ يسهم برأيهم في إحداث حالة من اللغط في الشارع المصري، وحالة احتقان وسط القوى السياسية، تزامناً مع حملات النقد والتشويه المستعرة بينها.
خيار وارد
من جهته، يلفت المرشح السابق للانتخابات الرئاسية خالد علي، إلى أنّ سيناريو احتمال نشوب حرب أهلية يعتبر «وارداً جداً»، حال استمرار جماعة الإخوان المسلمين في محاولات الهيمنة واحتكار المشهد السياسي، مؤكّداً أنّ الفصائل الإسلامية أعادت للأذهان صورة قريبة من صورة الحزب الوطني السابق، بما تمارسه من محاولات هيمنة على المشهد السياسي، وفرض أجندتها على مختلف القوى.
وأشار علي إلى أنّ محاولات فرض الأجندة تمظهرت بشكل واضح في اجتماعات الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، ما يفتح الباب، بحسب رأيه، لقيام قيام ثورة جديدة ضد حكم الإسلاميين، تكون أشد ضراوة وقوة.
بلطجة سياسية
في السياق، يؤكّد الخبير العسكري حسام سويلم، أنّ جماعة الإخوان «تمارس البلطجة السياسية»، لافتاً إلى أنّ لديها من المليشيات ما يمكنها من حسم أي صراع لصالحها، ما سيسهم في نشأة منظومة ديكتاتورية.
استحالة فوضى
على الجانب الآخر، يرى أستاذ التاريخ الاجتماعي د. محمود متولي، أنّ مصر عرفت جيداً «ويلات الفوضى»، ومن المستحيل عودتها إليها مرة أخرى، مشدّداً على أنّ «الإسلاميين لن ينجرفوا نحو مواجهات تجعل مصر الخاسر الوحيد»، لافتاً إلى أنّ القوى السياسية عليها الدخول في حوار مجتمعي موسّع، لتقريب وجهات النظر، عقب تفاقم حدة الأزمة بينها.
ويوضح متولي أنّ الأزمة بين القوى السياسية أحدثت لغطاً على المشهد السياسي، وأسهمت في احتكاكات واسعة، واشتباكات خيمت على المشهد، سواء في صورتها المادية، من خلال الاشتباكات التي وقعت في ميدان التحرير، أو في صورة غير مباشرة، من خلال الاحتكاكات اللفظية وحملات النقد والتشويه المتبادلة بن أطراف الصراع.
رغبة حوار
في السياق ذاته، بدت رغبة قوى سياسية وثورية مختلفة في بدء حوار وطني شامل، يضم مختلف القوى والفصائل المتناحرة والمتنافسة على كعكة الوجود بالمشهد السياسي، في محاولة لدرء أي فتنة مقبلة قد تشعل الخلاف بين كل تلك القوى وبعضها مستقبلاً.
استفهامات شارع
أفرزت أحكام البراءة التي حصل عليها المتهمون في أحداث موقعة الجمل، إبّان ثورة 25 يناير، استفهامات عدة، وجدلاً واسعاً في الشارع المصري، إذ طفت إلى السطح تساؤلات عن العلاقة بين النظام الحالي، وبعض رموز النظام السابق، وهي العلاقة التي وصفها مراقبون بأنها وصلت «مرحلة التناغم».
على النقيض، يشير محللون إلى استحالة التعاون بين الإخوان ورموز النظام السابق، لافتين إلى أنّ الإسلاميين الآن يعتبرون العنصر الأقوى في المعادلة، ولا يمكن تصور دخول الطرف الأقوى في تفاهمات مع الأضعف، على حد تعبيرهم.