انقسمت آراء الشارع الثوري السوري تجاه ممارسات جماعة «جبهة النصرة» الجهادية، فجزء راح يؤيد عمليات الجبهة، وطريقة انتقاء أهدافها العسكرية المتمثلة في تدمير المقرات الأمنية والعسكرية بالدرجة الأولى، وكان آخر حلقاتها تفجير نادي الضباط الكائن في ساحة سعد الله الجابري وسط حلب. بينما ينعت فريق آخر الجبهة بالسلفية الجهادية وتقمص سلوكيات النظام القمعية في آن معاً، وإفراغ الثورة من أهدافها التي ثار الناس من أجلها.
وتعمق هذا الانقسام وظهر جلياً في الجمعة التي مضت تحت شعار «لا نريد كلاماً بل نريد سلاحاً»، حيث قام البعض بنشر ملصقات في أحياء حلب تحيي «جبهة النصرة» على عملياتها الجهادية في ساحة سعد الله الجابري، بينما كان الثوار يخطوّن ويرفعون ويصوّرون لافتات ضد كل ما يستهتر بأرواح السوريين ولو كان ذلك تحت مسمّى «ثورتنا العظيمة».
فالفريق المناصر للجبهة لا يركن في تقييمه إلى الإيديولوجيات، بقدر ما يعطي الأولوية إلى الموقف والعمل، ويسوق مبرراته على قاعدة (الذي يبذل دمه فداء لسوريا، ويقدم التضحيات الكثيرة المخلصة هو صاحب القرار على أرض الواقع). ويشير فاروق أحد مناصري الجبهة في حي الميسر في مدينة حلب إلى أن منطقة الميّسر هي من أولى المناطق المحررة عند دخول الجيش الحر. والمفارقة، بحسب رأي فاروق، أن الذي حررها هم جبهة النصرة، فأعلامهم وكتاباتهم تزين الجدران وتبرهن ذلك.
إعجاب بالأسلوب القتالي
ولا يخفي فاروق إعجابه بجبهة النصرة، فهو يراقب تحركاتهم القتالية بغية الاستفادة منهم، ونقل تلك التجارب إلى كتائب أخرى، قائلاً: «الجبهة هي من تحقق الانتصارات في حلب، وهي التي تسيّر المعارك بسبب قوة العقيدة الاستشهادية، وهي من أكثر التنظيمات قسوة في ضرب الحواجز والمقرات الأمنية، ولا ضير من وجود مقاتلين من جنسيات متعددة طالما تهدف إلى إسقاط نظام الأسد، والدفاع عن المظلومين».
وبقيت الجبهة ردهة طويلة خلال عمر الثورة تتحرك في الخفاء وبمنأى عن وسائل الإعلام، لكن معركة حلب كانت مناسبة لظهورهم علناً ضمن فصائل وكتائب متنوعة. ويفند حميد الحلبي القاطن في حي الصاخور مزاعم وقوف النظام خلف الجبهة، مشيراً: «لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون النظام أرسلهم ليحرروا مناطقنا، ولولا الجبهة لما استطعنا الانتصار على الشبيحة في حلب».
وتقوم جبهة النصرة بواجبها حسب اجتهاداتها، كما يقول حميد الذي فقد أخاه الأكبر نتيجة القصف الجوي للطيران، لكنه لا ينفي في الوقت نفسه ارتكاب بعض الأخطاء القليلة في مسار العمليات الانتحارية التي يذهب ضحاياها عادة المدنيون، ويوضح حميد في مستهل حديثه عن أسباب بروز جبهة النصرة على مضمار الثورة : «وحشية سياسة النظام الذي لا يفرق بين حجر وبشر خلفت مأساة وظلما جعلا كثيرا من الناس يشعرون باليأس، ويلجأون لهذا التنظيم لرفع الغبن عن أهلهم».
انتقادات لاذعة
وفي المقابل، تخرج انتقادات لاذعة من معسكر المعارضين لوجود جبهة النصرة على الأراضي السورية، كونها تنظيما سلفيا مرتبطا بأجندة «القاعدة»، وتخدم أهداف النظام، وغالبية تلك الأصوات تأتي من الخلفيات الليبرالية واليسارية، وأحياناً مزيج من المرجعيات الشعبية-الدينية، فدخول جبهة النصرة على خط المعارضة المسلحة بنظرهم ما هو إلا محاولات واضحة لإخراج الثورة عن مسارها الطبيعي، وزعزعة للوحدة العسكرية وتوسيع الهوة بين فصائلها. وفي هذا السياق، ينتقد حاتم وهو ناشط مدني نزح من حي الشعار بحلب إصرار جبهة النصرة العمل بمفردها، وبث الشرذمة في صفوف الجيش الحر. ويقارن حاتم بين عقيدة «جبهة النصرة» والجيش الحر، فالجيش الحر أعلن عن تشكيل مجلس عسكري ثوري، ورفع لواء توحيد الصفوف، كما تبنى في خطابه دولة مدنية، إلا أن الجبهة تصر على تشكيل مجلس مجاهدي الشورى، والإعلان عن دولة دينية.
انفراد بالعمليات
ما يثير هواجس المعارضين حيال تصرفات جبهة النصرة يتجسد في استفراد عملياتها العسكرية عن بقية الكتائب المقاتلة، والإسراع عن إعلان مسؤوليتها عن العمليات التفجيرية الكبيرة، فضلاً عن التزايد الملحوظ في رفع الأعلام واليافطات التي تمجد جبهة النصرة في المظاهرات.
تقليد طائفي
يعبر حازم الذي ينحدر من مدينة سلمية بحماة عن انزعاجه الشديد على منهجية الجبهة، وعقيدتها: «لا أنتمي للطائفة السنية، والنظام أمعن في الطائفية، وهذا لا غبار عليه، لكن المصيبة تكمن بتقليد عقليته الطائفية، وحمل علم ديني جهاراً لتخويف شرائح كبيرة من المجتمع». ويضيف حازم الذي يخشى من استفراد الجبهة بالحكم فيما لو سقط النظام: «ربما تتقاطع أهداف الجبهة مع الثورة السورية، لكنها بالتأكيد ليس لها ارتباط حقيقي بالثورة، فسلوكها الطائفي يتقاطع مع أهداف النظام، وما التفجيرات إلا مزيد من القتل في المدنيين، فاستهداف مراكز النظام شيء، و إصابة المدنيين شيء آخر، وعلينا لجم تأثيرهم قبل فوات الأوان».