شيئاً فشيئاً بدأ التصدّع يتسع بين قيادات حركة النهضة الإسلامية الحاكمة في تونس، إذ لم يعد خافياً برأي كثيرين إلقاء الأوضاع في الحركة بظلال سالبة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد، ففيما يقف رئيس الحركة راشد الغنوشي مواقف توصف بـ«التصلّب»، يسعى السكرتير العام ورئيس الحكومة حمادي الجبالي إلى مد جسور التواصل مع بقية ألوان الطيف السياسي أملاً في الخروج من النفق الذي دخلته البلاد وبدأ يهدّد بأزمة كبرى يخشى مراقبون من تحوّلها إلى حالة من الفوضى والانفلات الأمني بعد يوم 23 أكتوبر الحالي، ذكرى مرور عام على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.
منهج مختلف
وترجع أسباب الصراع داخل أضابير الحركة برأي كثير مراقبين إلى ما سموه «الاختلافات المنهجية» في قراءة الواقع التونسي بين «نهضويي الداخل» والذي قضوا أعواماً في سجون نظام المخلوع بن علي وحافظوا على فهمهم للواقع المحلي والصلة بهموم الشارع، و«نهضويي الخارج» والذين ما يزال أغلبهم ينظر إلى الواقع الداخلي بمرآة فترة الإقامة في الخارج والعلاقات الإقليمية والدولية المتشابكة مع أنظمة وحكومات وجهات استخباراتية تنظيمية وحزبية وإعلامية لا تخفي التزامها بفكر وأطروحات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي يستهدف السيطرة على الحكم في الدول العربية قبل تحديد طبيعة الدولة التي يسعى إلى تكريسها في المنطقة.
وفي الوقت الذي يرفع رئيس الحكومة حمادي الجبالي شعار المصالحة الوطنية الشاملة والعمل بشعار «تونس أولاً»، يسعى الغنوشي إلى ترسيخ مفهوم الدولة الدينية في ارتباطها الكلي مع المشروع الإقليمي الذي لا يقف عند دول «الربيع العربي» وإنما يتجاوزها إلى مشروع أكبر، إذ يتم تعويم الشأن المحلي في المشروع الإقليمي، ويحتاج هذا الموقف استبعاد المنافسين الحقيقيين بما يمثّلونه من رؤية مختلفة لمفهوم الدولة، وسعي للحفاظ على مدنيتها وانفتاحها واستقلالية قرارها الوطني.
اتفاق مع السلف
وتأكيداً على رؤية استبعاد المنافسين يشير الغنوشي إلى أنّ حركة «نداء تونس» أكثر خطراً على تونس من السلفيين، في إشارة فسرها المراقبون على أنّها دليل على أنّ حركة النهضة قد تتفق مع التيار السلفي المتشدد على طبيعة نظام الحكم وخصوصيات الدولة التونسية الجديدة ذات الطبيعة الدينية، فيما من المستبعد بمكان اتفاقها مع حركة «نداء تونس» في الرؤى.
