كان وقوع التفجير السوري التركي الأخير مسألة وقت. الأزمة، بطبيعتها وتعقيداتها الداخلية والخارجية، محكومة باختراق الحدود مع الجوار.وخاصة الجار الشمالي، لأسباب كثيرة معروفة. والمعروف أيضاً أن أنقرة اعتزمت التدخل المبكر لكنها اشترطت مساندة عملية أميركية.
إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما رفضت الاضطلاع بأي دور ميداني. تزعم أنها ليست في وارد فتح جبهة جديدة في المنطقة التي تعمل على طي صفحة حروبها فيها. ثم أنها مشغولة بالانتخابات. تمسكت منذ البداية بموقفها هذا وبعدم تسليحها للمعارضة، بزعم أن المزيد من السلاح يفاقم المشكلة وأن بعض هذا السلاح قد يقع في أيدي المتطرفين.
ضغوط وموقع
التراشق الحدودي خلخل هذه المعادلة وجعلها مهدّدة بالسقوط وبالتحديد فيما يتعلق منها بالتدخل التركي. لكن ضغوط اللاعبين الكبار فرضت لجم هذا التوجه.
توافقت الإدارة الأميركية مع حكومة رجب طيب أردوغان على معادلة جديدة: الردّ على كل عملية عسكرية سورية بعملية مماثلة بالحجم وبما يكفل عدم خروج الوضع عن السيطرة في أقله حتى موعد الاستحقاق الانتخابي الأميركي بعد أقل من شهر في السادس من نوفمبر المقبل.
وموسكو سارعت إلى التحرك بما يوحي برغبتها في احتواء الاحتكاك. من جهة لئلا يتطور ويؤدي إلى انفجار ينزع من يدها المفتاح الأساسي للأزمة، ومن جهة ثانية لتؤكد على موقعها المتحكم بالأزمة السورية وتفرعاتها.
فالكرملين يدرك مأزق المثلث التركي الأميركي الأطلسي في اللحظة الراهنة. الاوضاع التركية الداخلية وعلاقات أنقرة المتوترة مع الجارين العراقي والإيراني تفرض حسابات معقدة على قرار الحرب.
ثمة خشية من التورط المديد. وحتى عسكرياً «ليس بمقدور أنقرة القيام بعملية كبيرة تكفل الإطاحة بالنظام السوري من دون مساندة أميركية بالرغم من كونها قوة عسكرية لا يستهان بها»، بحسب ما جاء في موقف إحدى الدوائر الأميركية الدافعة باتجاه التدخل.
موقف «الناتو»
وواشنطن ليست فقط مكبلة حالياً بالانتخابات، بل أن قابلية التدخل ضعيفة جداً لدى الرأي العام كما لدى معظم القوى السياسية. و«الناتو» ليس في وضع مختلف. فالأزمة المالية تكفي بلدانه الأوروبية التي لا تتحرك عموماً إلا برفقة واشنطن كما حصل في ليبيا.
وموقفها هذا كان واضحاً في اكتفاء «الناتو» ببيان إدانة لسوريا وتضامن مع تركيا، لكن من خارج المادة الخامسة من ميثاقه. وعملت واشنطن على استبعاد هذه المادة التي تلزم دول الحلف بالدفاع عن أي عضو فيه يتعرض لعمل عسكري ضده من باب أن استحضارها في الوقت الراهن سابق لأوانه.
حرب استنزاف
بالرغم من كل هذه الاعتبارات الكابحة، تشير معظم القراءات في واشنطن إلى أن الأحداث الحدودية المنضبطة حتى الآن عند الحدّ الأدنى؛ قد لا تقوى الحكومة التركية على تحمّلها لاسيما إذا تحوّلت إلى ما يشبه حرب استنزاف واستفزاز.
فهناك بدايات تأفف داخلي من تبعة اللاجئين، معطوفة على احتقان متراكم منذ إسقاط الطائرة الحربية التركية قبالة الشواطئ السورية. ثم جاءت مناوشات الحدود الأخيرة لتتحول إلى عمليات قصف يومي متبادل ولو محدود.
رافق ذلك، تحذيرات وصلت إلى حدود الإنذار، على لسان مسؤولين أتراك كبار؛ من نائب وزير الخارجية إلى رئيس الحكومة، فضلاً عن منح البرلمان للحكومة «صلاحيات شنّ عمليات عسكرية خارج الحدود»، وإن لم يأت القرار على ذكر سوريا بالاسم. مثل هذا الخطاب يضع تركيا في موقف مكشوف داخلياً وخارجياً، إذا بقي خارج الترجمة؛ في حال تواصل التدهور على الحدود.
لذلك يتطلب الأمر أن «يقوم الناتو بتوفير الإمكانيات اللازمة في تركيا للتعامل مع احتمالات خطيرة متصلة بالازمة السورية»، بحسب ما يقول رئيس «مجلس أتلانتيك» للدراسات في واشنطن روسّ ويلسون.
إشارة إلى عدم استبعاد نشوب حرب إقليمية، يقول بعض المحذرين أنه «من الأفضل لواشنطن التدخل قبل توسّع النزاع، إذ أنها ستجد نفسها مضطرة للتدخل في وقت ما».
قصف ممنهج
منذ وقوع حادث القصف السوري الاربعاء الماضي الذي اسفر عن مقتل خمسة مدنيين اتراك في قرية حدودية، ترد تركيا بصورة منهجية على قصف مدفعي وقذائف من الجانب السوري.
وذكرت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية إنه جرى إرسال عدد كبير من القوات التركية إلى منطقة أونكوبينار الحدودية في إقليم كيليس.
