رغم ما دخلته الأزمة العراقية من حالة سبات بسبب مناورات الأطراف التي لا تريد الحل ظهرت بعض الأصوات التي لوحت بضرورة حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، في حين يلاحظ العراقيون ساسة ومواطنون أن الرئيس جلال الطالباني، غالباً ما يغادر العراق، في رحلة علاجية، عند حدوث الأزمات السياسية، إلا أنهم لا يرون في ذلك جبناً منه، أو انهزامية من مواجهة المشاكل التي تواجه البلاد، وإنما ليقينه بعدم جدوى «دق المسامير في حائط من القش»، تاركاً للزمن إصلاح أو عدم إصلاح ما أفسده السياسيون.
وحالة الطالباني هذه، كما يرى المراقبون السياسيون، ليست فريدة، مؤكدين أن المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، اتخذ قرارا بعدم استقبال أي من السياسيين العراقيين، بعد أن وجد أنهم يلتزمون فقط بما يخدم مصالحهم من توصياته، وكل منهم يأخذ ما يستفيد منه، ويتجاهل الباقي، أو يفسر الكلام بما يشتهي، وما ينفعه، ولا يبالي بما هو غير ذلك.
ومن الأمثلة الأكثر بروزا على ذلك، أن الدستور العراقي، الذي كتبه نفس الساسة، كل منهم يفسر مواده حسب ما يشتهي ويخدم مصالحه، أو مصالح كتلته أو طائفته، ويتعامل مع تلك المواد بانتقائية مفرطة، بلغت حد توقيع ساسة بارزين على مواثيق، وعند التنفيذ قالوا إنها مخالفة لبعض مواد الدستور، وعندما تصطدم بعض المواد مع مصالحهم يقولون إن الدستور الذي وضعوه، كتب على عجل، وهو بحاجة إلى تعديل.
وفي وقت كان ائتلاف دولة القانون الحاكم غير متحمس لعقد مؤتم وطني، واعترض حتى على تسميته، التي تم إبدالها إلى «الاجتماع الوطني»، ظهر متحمساً لعقد الاجتماع عندما يعود الرئيس جلال الطالباني من رحلته العلاجية، التي دامت عدة شهور، ما يعني التمسك بتأجيل الأزمة، في وقت رأت الكتل السياسية أن من يرد الإصلاح، يباشر به، ولا ينتظر عقد اجتماع وطني، مرتهن بعودة الغائب.
تلويح بانتخابات مبكرة
والآن، بعد عودة الطالباني من رحلته العلاجية، كشف القيادي في ائتلاف دولة القانون، النائب عزت الشابندر، عن تحقيق اتفاق أولي بين القادة السياسيين على أن الخامس عشر من الشهر الجاري سيكون موعداً لعقد المؤتمر الوطني، بعد أن استكمل الطالباني اتصالاته مع جميع الفرقاء، فيما كان من المفترض أن يصدر هكذا إعلان من رئيس الجمهورية أو مكتبه، وليس من حزب الدعوة، في الوقت الذي تتضارب الآراء حول إمكانية نجاح المؤتمر بتسوية الخلافات بين الأطراف المشاركة في الحكومة، إلى حد تلويح نواب عن ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الحكومة نوري المالكي بحل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة حسبما أكد ذلك النائب صادق اللبان، الذي قال «لا توجد مؤشرات لحل الأزمة، لأن جميع الأطراف المشاركة في الحكومة متمسكة بمواقفها، ومع التعطيل المقصود لدور البرلمان التشريعي، نرى بأن حله وتشكيل حكومة أغلبية سياسية ثم إجراء انتخابات مبكرة، هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة السياسية، التي اندلعت بسبب اعتماد ما يعرف بالحكومة التوافقية».
نفق مظلم
هذه التصريحات اعتبرها النائب عن القائمة العراقية رعد الدهلكي تعبيراً عن عدم وجود نية صادقة بين الكتل السياسية لتوحيد خطوطها من اجل حل الأزمة.
وقال إن «الأزمة السياسية الحالية وصلت إلى نفق مظلم، ولا يمكن حالياً الوصول إلى حلول لها، وستكون هناك أزمة اكبر بعد الأزمة الحالية، إذا ما استمرت الكتل السياسية بالتمسك بآرائها وعدم تنفذ الاتفاقات السابقة». وأضاف الدهلكي ان جهود رئيس الجمهورية جلال الطالباني مكبلة بتمسك الكتل بمطالبها، لذا على رؤساء الكتل السياسية إعانته في مهمته لإيجاد الحلول للازمة الحالية.
هدنة وليس حلاً
فيما استبعد النائب عن التحالف الوطني جواد البزوني أن يحل رئيس الجمهورية جلال الطالباني الأزمة السياسية الراهنة في البلاد، مؤكدا في الوقت نفسه إن الاجتماعات والحوارات التي يجريها قادة الكتل السياسية هي تفاهمات بشأن ملفات الوزارات الأمنية وقانون الدفع بالآجل، و «لا وجود لحلول لإنهاء الأزمة السياسية الراهنة في البلاد خلال هذه الدورة الانتخابية، وما يحدث الآن من لقاءات وحوارات بين قادة الكتل السياسية هي مجرد نوع من الهدنة وتخفيف حدة التوتر القائم، وتفاهمات بسيطة بغية تمرير الدورة الحالية، وبالتالي ترحيل المشاكل إلى الدورة الانتخابية القادمة».
تضليل الرأي العام
إلى ذلك اعتبرت عن كتلة الأحرار، التابعة للتيار الصدري، الوعود بالإصلاحات السياسية، كذبة، أراد أن يضلل بها «الشريك» الرأي العام.
وقال النائب عن الكتلة جواد الحسناوي، إن من يفتعل الأزمات يجد لها المبررات في نهاية المطاف، أو يكون هو واضع الأزمة، وفي نفس الوقت واضع المبررات لها، مشيرا إلى أن الحكومة بارعة بهذا العمل، وأصبحت تفتعل الأزمات وتجد لها المبررات، وهذا واضح لنا.
استبعاد للحل
استبعد النائب عن القائمة العراقية عمر الجبوري قدرة رئيس الجمهورية جلال الطالباني على حل الأزمة السياسية الحالية مع بقية الأطراف، وقال «طالما القوى السياسية، بما فيها رئيس الجمهورية، لديها مطالب حزبية وطائفية وقومية، فليس بالمقدور حل المشاكل السياسية، ولا يمكنها أن تلعب دور الوساطة». وأضاف الجبوري أن الجهة السياسية التي تلعب دور الوسيط في حل الأزمة بين الفرقاء السياسيين عليها أن تتحرر من جميع التزاماتها القومية والطائفية، التي تعتبر جزءاً من المشكلة، وليس جزءاً من الحل.