يسعف سمير زوجته الحامل من حي الأشرفية إلى إحدى العيادات الطبية الواقعة في حي المحافظة وسط حلب، لكن عينه تبحث عن قناصة النظام المنتشرين في حي المحافظة، وقلبه يخفق خوفاً على صرخات زوجته قبل الولادة، وقبل أن يترجل من سيارة الأجرة لإنزالها من المقعد الخلفي، تخترق رصاصة رأسه قادمة من القناص المتمركز فوق سطح المبنى المقابل. ويضيف السائق الذي نقل سمير وزوجته ويدعى أبو بوزان: «حذرته قبل ترجله من السيارة بوجود القناصين، وهو نفسه كان ينتابه الهلع من انتشار القناصة التابعة لقوات النظام في هذا الحي، مات قبل أن يرى طفله النور».
خطورة القناصة لا تطال الحالات الإسعافية المتوجهة صوب المناطق شبه الهادئة فقط، بل تشمل الذين يقصدون أحياءهم بهدف تسيير عمل مؤقت، وهنا يستدعي أخذ الحيطة والحذر وإلا سيلقى الزائر أو ابن الحي مصير المئات من أمثال سمير. ويقول أبو صلاح الذي ينقل المساعدات الإنسانية إلى النازحين بجوار المدينة الجامعية بحلب: «نتبع حركة المارة دون الالتفاف يميناً أو شمالاً، كما أن النظر إلى الوراء سيحوم حولك شبهات ويضعك في مصيدة القناص، هؤلاء يتحركون بتعليمات مجنونة ويقتنصون كل من يصدر حركات غريبة حسب مزاجهم».
أثر تدميري
بيد أن الحال تزداد خطورة في المناطق الساخنة، فوجود قناص مختبئ في أماكن مجهولة يحدث أثراً تدميرياً ونفسياً وإرباكاً بين المدنيين داخل شوارع وأحياء حلب بحسب ما يقوله المراقبون، وهو أفتك وأشد خطراً من صوت الطائرات ودوي مدافع الهاون والاشتباكات المتبادلة، كونه يمتاز بتصيد المارة غدراً دون إصدار إشارات توحي بذلك. ويصف بركات، وهو نازح من حي بستان الباشا إلى حي الشيخ مقصود، مشاعر الأهالي عند شم رائحة وجود القناص بجوارهم: «يأتي الإيعاز من الجيش الحر بوجود القناصة، ويسود الرعب بين الناس في الشوارع وداخل المنازل، تصرخ النساء والرجال معاً وترسم على وجوه الأطفال علامات الهلع بما يجري من حولهم، نخشى إخراج رؤوسنا من النوافذ، لا نتجرأ قطع الطريق من طرف إلى آخر».
ويضيف بركات الذي نزح مع عائلته سراً قصة مرورهم بجوار القناصة قائلاً: «نزحنا مع خمس عائلات، وعند عبور الشوارع الواقعة تحت سيطرة قوات النظام سقط من بينهم ثلاثة أشخاص قتلى فجأة، تأكدنا أنهم ضحايا القناصة، نخاف من القناصة أكثر من قصف الطيران». ولعل أهم ما يعرقل حركة ثوار حلب خلال الاشتباكات المباشرة مع قوات النظام هو انتشار القناصة في أماكن مجهولة كي يمنعوا الثوار من سحب جثث القتلى والمصابين على الأرض. أبو عبد الله الذي نزح مؤخراً من حي الميدان بحلب شهد حادثة بأم عينه، مشيراً: «سقط قتيل مدني نتيجة قصف بالمدفعية وسط الشارع، جازف ثلاثة شبان بأرواحهم لانتشال الجريح على الأرض، لكن رصاص القناصة أردتهم قتلى».
إجراءات رادعة
ونتيجة ما تخلفه فرق القناصة من التأثيرات النفسية والاجتماعية على السكان، ابتدع النشطاء إجراءات رادعة تفادياً لمخاطر القناصة، سيما أن القناص يعتمد بصورة كبيرة على المنظار، وهذا يعني بنظر النشطاء أن وضع أي حاجز يفصل بين القناص وتشخيص الهدف سيؤدي إلى فقدان القناص أهميته، ومن بين الطرق المستخدمة لتعمية القناص كما يشير محمد الحلبي وواحد من مروجي لهذه الحملة، هو استخدام ستار القماش في مداخل الحارات لمنع القناص من الرؤية. ويضيف: «على الثوار أن يقوموا بنشر ستائر القماش في طرفي الشارع لمنع القناص من رؤية ما يجري في طول الشارع، كما يمكن استخدام هذه الستائر ككمائن في تفخيخ المناطق المحيطة بها، وحالما يتقدم الجنود لرفعها أو تفحص ما خلفها يتم تفجير العبوات بهم».
