وافق البرلمان التركي أمس على طلب للحكومة بمنح الجيش اذناً لشن عمليات عسكرية في سوريا «اذا اقتضى الأمر»، وذلك غداة حادث حدودي خطر، اودى بحياة خمسة مدنيين اتراك، وردت عليه انقرة بقصف اهداف سورية، إلا أن انقرة سارعت إلى إطلاق تطمينات بأن التفويض البرلماني ليس «مذكرة حرب»، وشددت على أن الأولوية هي التحرك «بالتنسيق» مع المؤسسات الدولية، ولم تسع دمشق إلى امتصاص غضب أنقرة، حيث قدمت اعتذاراً غير مباشر «بالوساطة» عبر الأمم المتحدة، رغم ضغوط روسية لتقديم اعتذار علني ومباشر. وأبدت الولايات المتحدة «غضبها» من السلوك «المارق» لنظام الرئيس بشار الأسد، فيما طالب حلف شمال الأطلسي بالوقف الفوري «لأعمال العدوان» على تركيا.
وصادق البرلمان التركي على مذكرة التفويض الخاصة بمنح الحكومة التركية صلاحية لمدة عام باستصدار قرار بإجراء عمليات عسكرية في الخارج، في ما يتعلق بالشأن السوري. وبموجب التصويت يكون البرلمان التركي فوّض الحكومة التركية، برئاسة رجب طيب أردوغان، باتخاذ القرار العسكري المناسب، تجاه أي اعتداءات قد تنتج عن الجيش السوري.
وذكرت وكالة أنباء «الأناضول» أنه صوّت لصالح مذكرة التفويض 320 نائباً من نواب «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، وحزب الحركة القومية، الذي يعد ثاني أكبر حزب برلماني معارض، مقابل 129 نائباً صوتوا ضده، بينهم نواب «حزب الشعب الجمهوري» المعارض الرئيسي، و«حزب السلام والديمقراطية».
لا تفويض بالحرب
وفي تصريح صحافي أدلى به عقب التصويت، شدد نائب رئيس الوزراء التركي بشير أتالاي على أن «المذكرة المصادق عليها ليست تفويضاً بإعلان حرب على أي دولة أو جهة». موضحا انه سيكون «اداة بيدنا نستخدمها عند الحاجة لحماية مصالح تركيا وفقا للتطورات المحتملة في المستقبل». وأضاف أن الأولوية بالنسبة لتركيا هي التحرك بالتنسيق مع المؤسسات الدولية.
ونقلت وسائل إعلام تركية عن وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو قوله في أول ردّة فعل على مصادقة البرلمان التركي، إن «رسالتنا وصلت إلى الجهة المعنية».
وكان مجلس الوزراء التركي رفع في وقت متأخر ليلة اول من أمس، مذكرة تفويض تعطي الحق للحكومة في القيام بعمليات عسكرية خارج حدود البلاد، في الأحوال الطارئة.
وورد في هذه المذكرة، التي وقّعها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، إن «الأزمة المستمرة في سوريا من شأنها تهديد الاستقرار والأمن الإقليميين، وتؤثر بالسلب كذلك على أمننا القومي». وأضافت: «بموجب المادة الـ92 من دستور البلاد، أطلب من البرلمان التركي، إعطاء تفويض لمدة عام، يسمح لنا بإرسال القوات المسلحة التركية، إلى بلدان أجنبية، وتكليفها بمهام خارجية، والقيام بالترتيبات اللازمة حيال هذا الأمر، شريطة أن يكون تقدير وتقييم المواقف التي تستدعي ذلك من اختصاص الحكومة التركية وحدها». وكان النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، محرم إنسي انتقد المذكرة، وقال إن «لا حدود لها» ويمكن استخدامها «لشن حرب عالمية».
اعتذار بالوساطة
وبخصوص الاعتذار السوري غير المباشر، قال بشير اتالاي إن دمشق اعتذرت عبر الأمم المتحدة عن الهجوم بالمورتر، وقالت إن مثل هذا الحادث لن يتكرر. وقال اتالاي: «أقرت سوريا بما فعلت واعتذرت. قالوا إن مثل هذا الحادث لن يتكرر مرة اخرى. هذا أمر جيد. توسطت الأمم المتحدة وتحدثت الى سوريا في المساء».
واعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان السلطات السورية اكدت لموسكو ان القصف الذي استهدف الأراضي التركية هو «حادث مأسوي»، مشددا على وجوب ان تعلن دمشق ذلك رسميا. إلا ان دمشق امتنعت عن إعلان ذلك بشكل رسمي.
قصف تركي
وكانت قذيفتان سقطتا من الجانب السوري على بلدة آقجة قلعة الحدودية التابعة لمحافظة شانلي أورفة بجنوب شرق تركيا أمس، ما أسفر عن سقوط 5 قتلى و13 جريحاً.
وردّت القوات التركية بقصف أهداف سورية استمر إلى أمس. وذكرت وكالة أنباء «الأناضول» أن الفرقة الخامسة، التابعة للكتيبة الحدودية، ببلدة آقجة قلعة، التي سقطت عليها قذيفتا هاون، ما زالت تواصل قصفها المدفعي للعديد من الأهداف العسكرية السورية، التي انطلق منها القصف، والتي رصدتها رادارات الجيش التركي، في إطار قواعد الاشتباك المتعارف عليها، في إطار القوانين الدولية. وقال شهود إنهم سمعوا دوي انفجارات في الجانب السوري، وأضافوا ان منطقة تل أبيض التابعة لمحافظة الرقة السورية، استهدفت بالقنابل المضيئة أثناء عملية القصف.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان ان «عددا من عناصر القوات النظامية» السورية قتلوا في القصف المدفعي الذي شنه الجيش التركي في منطقة رسم الغزال، قرب مدينة تل ابيض بمحافظة الرقة.
السلوك المارق
وفي ردود الفعل الدولية، ابدت الولايات المتحدة «غضبها»، معتبرة ان الخرق السوري يشكل «مثالا جديدا على السلوك المارق» لنظام الرئيس بشار الأسد.
وقالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون خلال مؤتمر صحافي: «نشعر بالغضب لأن السوريين يطلقون النار عبر حدودهم (..) وبالأسف للخسائر في الأرواح في الجانب التركي». وهذا الحادث الجديد بين تركيا وسوريا «خطير جدا» بحسب كلينتون، التي ابدت «الدعم» الأميركي لأنقرة خلال محادثة هاتفية مع نظيرها التركي احمد داوود اوغلو.
اما وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، فاعتبرت بلسان الناطق باسمها جورج ليتل ان القذائف السورية تشكل مثالا جديدا على «السلوك المارق للنظام السوري، وللسبب الذي لأجله عليه مغادرة السلطة».
بيان «الناتو»
من جهته، طالب حلف شمال الأطلسي «الناتو» بالوقف الفوري «لأعمال العدوان» على تركيا عضو الحلف.
وقال سفراء الحلف في بيان، بعدما عقدوا اجتماعا طارئا في وقت متأخر من ليلة اول من امس في مقر الحلف، بناء على طلب تركيا لبحث الحادث، ان القصف «يمثل سببا لأكبر القلق للحلفاء، الذين يدينونه بقوة». وقال البيان: «يواصل الحلف الوقوف بجوار تركيا ويطالب بالوقف الفوري لكل مثل هذه الأعمال العدوانية بحق دولة حليفة، ويحث النظام السوري على انهاء الانتهاكات الفاضحة للقانون الدولي». وكان هذا اجتماعا نادرا بموجب المادة الرابعة من ميثاق حلف الأطلسي، التي تنص على اجراء مشاورات حينما يشعر أحد الأعضاء ان سلامة أراضيه أو استقلاله السياسي أو أمنه في خطر.
وانتهى الاجتماع بعد 40 دقيقة ببيان قوي، يٌعبِّر عن تضامن الحلف مع تركيا.
موقف فرنسي حازم
وفي موقف حازم، قالت فرنسا إن على مجلس الأمن الدولي أن يبعث برسالة سريعة وواضحة الى سوريا تندد بالهجوم بقذيفة مورتر على تركيا، والذي وصفته باريس بأنه تهديد للأمن الدولي. وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في بيان: «أريد وأتمنى أن يقر المجتمع الدولي بأكمله، ومن خلال مجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص، رسالة واضحة وسريعة تدين السلطات السورية بقوة».
تهديد للسلم
في غضون ذلك، قال الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي إن الاعتداء الذي تعرضت له بلدة تركية يمثل تهديدا للأمن والسلم. وقال بيان أصدرته الجامعة العربية إن العربي «عبر عن قلقه البالغ إزاء الاعتداء». وأضاف البيان: «حذر الأمين العام من مغبة هذا التطور الخطير للأحداث على الحدود التركية السورية، وما يحمله ذلك من تهديد خطير للسلم والأمن في المنطقة والأمن العالمي».
كما حذرت مصر من المخاطر الكبيرة التي تحدق بالمنطقة بأسرها جراء احتمال اتساع نطاق الأزمة السورية، بحسب وزارة الخارجية.
مواقف
دعت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل انقرة الى «الاعتدال» في ردها. وقالت ميركل في ندوة صحافية: «اظن ان الأهم في الوقت الراهن هو اعتماد الاعتدال». ودانت ميركل «بأشد الحزم الهجمات السورية على تركيا»، لكنها دعت في «الوقت نفسه كل الأطراف الى ابداء قدر كبير من الاعتدال». واضافت: «نقف الى جانب تركيا»، مشددة على ان وزير الخارجية الألماني غيدو فسترفيلي اتصل بنظيره التركي.
رأى وزير الخارجية الإيطالي جوليو تيرسي، أن طلب الحكومة التركية من برلمانها الإذن بعمليات عسكرية خارج الأراضي التركية هو أمر «مشروع تماما»، وأضاف ان الأمر يخضع «لتقييم الحكومة التركية.. وأعتقد ان الطلب الذي تقدمت به حكومة أنقرة لجهازها التشريعي يعد أمراً شرعياً تماما».
حضت طهران كلاً من دمشق وانقرة على ضبط النفس. ونقلت وكالة فارس تصريحا لمساعد وزير الخارجية للشؤون العربية قال فيه ان «الجمهورية الإسلامية في ايران تطالب الطرفين بضبط النفس والتحقيق في الحادثة، واخذ اهداف الأعداء في المنطقة في الحسبان». واضاف حسين امير عبد اللهيان «على الطرفين اخذ المتطرفين المسلحين والمجموعات الإرهابية في المنطقة في الاعتبار (...) امن المنطقة يعتمد على تعزيز ضبط الحدود السورية».
اعربت اليونان عن املها في «تراجع حدة التوتر» بين تركيا وسوريا. واكدت اثينا على هشاشة الوضع الإقليمي.
وقال الناطق باسم الخارجية اليونانية غريغوريس دلافيكوراس: «يجب اعطاء الأولوية لخفض حدة التوتر، لأن الوضع في المنطقة هش للغاية، وخطر اتساع نطاق الأزمة جدي». واضاف ان اثينا تؤيد تسوية «سياسية» للأزمة السورية.

