تصدر زج النظام السوري الطيران الحربي في معركته العسكرية مع الجيش الحر أحاديث الناس في مختلف المناطق السورية طيلة الأسابيع الماضية، كونها استراتيجية عسكرية فاقت مخيلة السوريين الذين ثاروا على حكم بشار الأسد منذ عام ونصف العام، فضلاً عن ما أنتجه من أبعاد مدمرة حولت الأحياء برمتها إلى الأنقاض.

وأخذت مدينة حلب العاصمة الاقتصادية السورية حصة الأسد من الطلعات الجوية المتكررة التي تشن على أحيائها الثائرة، فالنازحون والهاربون من حلب ينقلون لمسامع الآخرين في برهة أولى انطباعاتهم الذاتية عن قصف الطيران الحربي، ويسردون اختلاط مشاعرهم عند لحظة سماع صوت الطائرة الحربية وكيفية تشخص أبصارهم نحو السماء، ومن ثم عبر ثوانٍ معدودة ينتشر غبار الصاروخ الأول ليتزاحم الناس في الملجأ قبل انقشاع ذلك الغبار.

هذه اللحظات بتفاصيلها نقلها لـ«البيان» ماهر الحلبي النازح من حي بستان الباشا إلى دمشق، ويصف بقوله: «نحبس أنفاسنا داخل الملجأ بانتظار الصاروخ الثاني، لتمر اللحظة بطول شهر بقياس الأيام العادية، يتشنّج الرجال ويصرخون بكلّ شيء دون أن تفهم لم يصرخون، النساء تشحب وجوههن من كثرة الرعب المدوي».

أما حال الأطفال كما يعبر ماهر فإنهم يرون لحظات ضعف الكبار ـ الأقوياء عادة ـ يبكون ويبكون دون أن يحصلوا حتى على ترف مسحة رأس أو ضمة سريعة.

تتزامن هذه المشاعر في الطرف المقابل بضغط طيار من بني جلدتهم زراً وضيعاً كالمبدأ الذي يقاتل لأجله، مرسلاً الصاروخين الثاني والثالث، ليهتز المكان ويموج الناس هلعاً حتى توقظهم من سكرتهم كلمات التذكير بالله والتوكل عليه ونطق الشهادتين.

لم يعد ماهر يتمالك نفسه أمام صراخ الأطفال، فيقول: «أشفقت على الأطفال، فأحضرت لهم الماء، وصرت أسقيهم واحداً واحداً، فبدأت وجوههم تعود لطبيعتها، وما هي إلا دقائق قليلة وعادت الحياة إلى طبيعتها إذ انتشر الأطفال للعب بما يتوافر حولهم».

بيد أن مسلسل قصف الصواريخ لم ينته بعد، حيث اكتسب الأهالي خبرة عسكرية في عدد طلقاتها، ويقدرونها بأربعة صواريخ، فيردف سالم معلقاً: «ما زال الناس تنتظر الصاروخ الرابع والذي قد يكون الأقرب إليهم، إلا أنه ولله الحمد لم ينفجر ليتحول إلى مادة أولية يستخدمها الثوار ضدّ بشار بطريقة أو أخرى».

وكما هو دوماً يكون الصاروخ الرابع شرّاً مبشراً بالخير، بحكم أنه ختام ذخيرة الطائرة الحربية، ويشير ماهر: «يطمئن الناس أنّ حصتهم من إصلاحات بشار قد انتهت اليوم، فتعود الدماء للجريان والألسنة للكلام، فنتبادل التهاني بالسلامة كما كنّا نفعل عند العودة من السفر».

لكن رغم هذه المأساوية الجارفة بحق السوريين، إلا أن بريق الأمل يلوح في الأفق، فيختم ماهر حديثه: «مازال الناس يخافون بطش هذا النظام السفاح، إلا أنهم وبعد عقود من دفن رؤوسهم بالرمال باتوا يواجهونه برؤوس مرفوعة، ولن تنخفض بعد اليوم».