قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير وكانت إحدى دعائمها الرئيسية المطالبة بالمزيد من الحريات وتطبيق الديمقراطية بشكل عام. ولم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن تستمر حلقات مسلسل كبت الحريات والتضييق على حرية الرأي والتعبير عقب سقوط النظام السابق، الذي حكم مصر بسياسة القبضة الحديدية، من خلال أجهزته الأمنية المنيعة.

ولأن الرياح عادة ما تأتي عكس ما تشتهي السفن، بدت في الأفق ملامح متعددة لاستمرار سياسة التضييق على الحريات بصفة عامة، وذلك بعد جملة من القرارات الأخيرة، مثل منع عدد من كتاب الرأي نشر مقالاتهم بسبب احتوائها على معارضة لإخوان مصر، وقد استمرت تلك السياسة لما تم محو آثار «رسوم الجرافيتي» من حوائط وجدران ميدان التحرير وعدد من ميادين الثورة، وهي الرسومات التي أرّخت لمشاهد بعينها ومواقف من الثورة المصرية، ما اعتبره الثوار محاولة لطمس وقائع بعينها، تندد بوزارة الداخلية وسياستها في التعامل مع الثورة، ما أثار «ثورة الجدران» ضد النظام المصري الحاكم الآن، بعد قيام عدد من الشباب بإعادة رسم تلك الرسومات، منددين بفلسفة النظام الحاكم.

وأكد مراقبون أن ما أثير حول رسومات الجرافيتي خلال الآونة الأخيرة ما هي إلا دلالة واضحة على فساد العلاقة بين الثوار والمؤسسات الرسمية.

واعتبر أحد رسامي الجرافيتي في ميدان التحرير حامد عبدالنبي في تصريحات لـ«البيان» أن هناك شعوراً عاماً لدى فناني الثورة بعدم التقدير، وبأن نتاج عملهم الذي خلدوا به صوراً من الثورة المصرية اغتالته أيادي النظام الحالي، معتبراً محو رسومات الجرافيتي أنها عبارة عن محاولة لمحو تفاصيل بعينها من الثورة المصرية بشكل عام، ما أحبط الثوار معنوياً، وأسهم في «ثورة جدران ورسومات» ضد النظام المصري الحاكم الآن، وضد جماعة الإخوان المسلمين، المهيمنة على الساحة السياسية المصرية.

واحتوت بعض الرسومات الجديدة للجرافيتي على عدد من الشعارات المنددة بإخوان مصر والتيار الإسلامي بصفة عامة، وذلك رغم معارضة عدد كثير من القيادات الإسلامية والإخوانية لفكرة محو رسومات الجرافيتي وتنديدهم بذلك، في واقعة أسهمت في توضيح مدى حالة الاحتقان الدائرة بين الثوار والتيار الإسلامي خلال الفترة الأخيرة.