رغم العقبات والمصاعب التي تعترض الطريق الطويل للدولة الليبية الفتية في حريتها الجديدة والمثقلة بتراكمات ديكتاتورية القذافي وصراعاتها الجانبية، فإن الاختبار الأصعب والأكثر متابعة ومراقبة من قبل العالم الغربي والعالم بأجمعه يبقى قرار حل المليشيات الذي أصدرته السلطات أول من أمس (ومن المقرر أن يكون انتهى قبل ساعات قليلة) الإنذار الأخير من قبل المؤتمر الوطني، حيث جاء القرار على خلفية انتفاضة أهل بنغازي على هذه المليشيات التي رأت في أنها تمتلك سلطة تجاوزت «سلطة العقيد» في أيام حكمه، وتخضع شرعية الدولة الليبية في هذه الناحية إلى اختبار معقد لا يسهل توقعه أو قراءته بصورة واضحة لغموض الكثير من التفاصيل بالنسبة للمراقبين.

وأثارت بعض الجهات العربية والغربية التي تراقب الوضع الليبي تساؤلات لا تخفي مخاوفها وتنقل هواجس الداخل الليبي نفسه، ألا وهو إن كانت كتيبة واحدة لا تتبع النظام كلفت متظاهري بنغازي في جمعة «الإنقاذ» 17 قتيلاً و70 جريحاً، فكم سيدفع الليبيون من ضريبة الدم لاجتثاث المليشيات وإرغامها على الانخراط في القوات الوطنية؟ وهل سيرضى من يرى بنفسه «المحرر» و«الفاتح» لليبيا أن يتلقى الأوامر من مناصب يراها دونه في المراتب الثورية؟ وكيف سيكون توزيع عناصر المليشيات التي تأسست على أساس عرقي ومناطقي في وحدات القوات الليبية؟ وعشرات من الأسئلة التي ستبقى مشرعة وتبقى الأيام المقبلة هي التي تحدد وجهة الإجابات فيها.

إن تحرك الدولة الليبية في عدة مسارات لنزع السلاح الذي لم ينضو تحت تشكيلات وزاراتي الدفاع والداخلية، يفتح المجال واسعاً لباب الاحتمالات التي أبرزها الدخول في دوامة عنف بين أذرع الدولة الجديدة والمصنفين ضمن «المليشيات والعصابات» خصوصاً أن الجهات الرسمية تصنف المجموعات التي لم تنضم إليها بأنها «متمردة ورافضة».

تشكيلات مسلحة

يوجد في ليبيا 1700 تشكيل مسلّح وفق التقديرات الرسمية الصادرة عن هيئة شؤون المحاربين. وفي منطقة نائية جنوب طرابلس اسمها الزنتان وصل عدد الكتائب إلى 240 كتيبة، بحسب تصريحات مسؤول السياسات في المجلس الوطني سابقاً فتحي البعجة، وهذا يجعل مهمة أي باحث عن مدى شرعية كتائب الثوار من كتائب «ما بعد التحرير» أشبه برجم الغيب في ظروف ليبيا الراهنة. وقد تأسس جزء منها على أسس قبلية «صرفة» وظهرت أخرى «منفعية ومصلحية» إثر صرف الدولة مبالغ كبيرة مكافأة للثوار.

رغم أن المليشيات في ليبيا تقلدت الدور الرئيسي في تحرير ليبيا من قبضة معمر القذافي وحاربت إنهاء الحكم الذي استمر 42 عاماً، لكن وحداتها المدججة بالسلاح بقيت تجوب الشوارع ولا تستجيب إلا لأوامر قادتها وتستهين بسلطة الحكام الجدد للبلاد، وصارت تنزع نحو المواجهة مع الحكومة والمؤسسات الشرعية للدولة الليبية، فتعرقل محاولاتها لممارسة سلطتها في البلاد، والشروع في أداء دورها في إعادة البناء لمقومات الحياة المدنية الحديثة.

انتفاضة بنغازي الجديدة

نتيجة لكل الأحداث والمخاطر السابقة، قررت السلطات الليبية حل جميع المليشيات والمعسكرات غير المنضوية تحت سلطة الدولة، وذلك غداة تمرد سكان بنغازي شرقي البلاد على هذه المليشيات وذلك بعد موجة من أعمال العنف شهدتها المدينة رافقت اقتحام مئات المتظاهرين مقرات مليشيات وكتائب مسلحة، أدت إلى سقوط 17 قتيلاً وعشرات الجرحى والمفقودين.

وعزل الجيش قائدي كتيبتي 17 فبراير ومليشيا راف الله السحاتي المدججتين بالسلاح اللتين تتوليان مسؤولية الأمن بموافقة ضمنية للسلطات منذ الاطاحة بالقذافي ووضعت الكتيبتان تحت امرة الجيش. وقال مسؤول ليبي: إن كتيبة ثالثة هي كتيبة «درع ليبيا» ستشهد أيضاً تغييرات في القيادة، وبانتظار قادم الأيام فإن الوضع الليبي يبدو بعيداً عن الهدوء والاستقرار.