رغم تسارع وتيرة التمويل في الأسابيع الماضية لاتزال نسبة تمويل نداءات الأمم المتحدة لجمع أكثر من 541 مليون دولار أميركي لمساعدة السوريين المحتاجين في الداخل واللاجئين في البلدان المجاورة لا تتعدى 40 في المئة من المبلغ المطلوب.

كما شكت وكالات أخرى، مثل منظمة أطباء بلا حدود التي تمتلك قنوات تمويل مستقلة، من نقص التمويل الذي أدى إلى تقليص عملياتها. ووفقاً لخدمة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة، والتي تسجل كافة التبرعات المبلّغ عنها، قدمت الجهات المانحة مبلغاً إضافياً قدره 200 مليون دولار خارج إطار النداءين اللذين أطلقتهما الأمم المتحدة.

ويتساءل كثيرون عن سبب تأخر تمويل الأمم المتحدة وغيرها من الوكالات.. وفي هذا الإطار، يؤكد منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا رضوان نويصر في مقابلة مع شبكة الأنباء الإنسانية: «ما زلت أسأل الجهات المانحة السؤال نفسه. ربما كانت غلبة النقاش السياسي هي التي جعلت الكثير من البلدان لا تولي اهتماماً كافياً بالأحوال الإنسانية. هذا هو تفسيري الوحيد».

تعزيز وتدخل

بدوره، يقول مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس: «لا أحد يريد تعزيز نظام بشار الأسد عن طريق إرسال المساعدات. تقوم الاستراتيجية الغربية على تجويع النظام وتغذية المعارضة. ولكن هذا، بطبيعة الحال، من المستحيل تحقيقه بدون تجويع سوريا بأكملها. فالعقوبات هي أداة فجة جداً، والغرض منها هو إضعاف النظام لتشجيع السوريين على الثورة عليه».

ويردف: «تبقى المشكلة في أنك إذا ساعدت الناس داخل سوريا، يجب أن يكون ذلك بالتنسيق مع الحكومة السورية، ما يضفي الشرعية على تلك الحكومة». وذهب آخرون إلى تبني الرأي الشائع الذي يوحي بأن الجهات المانحة تتعمد ترك سوريا تواجه أزمةً إنسانيةً من أجل إبقاء الباب مفتوحاً أمام التدخل.

أمّا جامعة الدول العربية، التي منحت منظمة الصحة العالمية نصف مليون دولار لتمويل عملها داخل سوريا، فتهدف إلى جمع 100 مليون دولار من أعضائها لجهود الإغاثة في سوريا والبلدان المضيفة للاجئين، في حين تفضل منظمة التعاون الإسلامي إرسال معونات فقط عندما تستطيع فتح مكتب داخل سوريا، وهي فكرة رفضها النظام وليس من المرجح أن يقبلها بعد طرد دمشق من المنظمة في أغسطس الماضي.

مساعدات روسية

ومن جهة أخرى، قدمت روسيا 8.5 ملايين دولار معظمها من خلال برنامج الأغذية العالمي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، فضلاً عن 80 طناً مترياً من الخيام والبطانيات ومستلزمات المطبخ والأثاث والمواد الغذائية.

وهي تقول إنها تدرس تقديم المزيد من المساعدات من خلال وكالة الإغاثة الخاصة بها، «إمركوم»، وعبر تقديم المزيد من الدعم المخصص لبرنامج الأغذية العالمي.

وقالت ماريا خودينسكايا غولينيشيفا، وهي دبلوماسية روسية في بعثة للأمم المتحدة في جنيف، إن «بعض البلدان قدمت أكثر من ذلك، ولكنها في نفس الوقت، تخنق الشعب السوري من خلال فرض العقوبات الاقتصادية وتوفير الدعم المالي واللوجستي، وكذلك الأسلحة للمعارضة».

سياسية وإنسانية

من جهته، أفاد مدير برنامج السياسات الإنسانية وبحوث النزاعات في جامعة هارفارد كلود بروديرلين أن جزءاً من المشكلة يكمن في «إدراج الوصول إلى المساعدات الإنسانية ضمن خطة عمل المبعوث الدولي السابق كوفي أنان الأولى لتسوية النزاع، والتي كانت مؤلفة من ست نقاط».

ويستطرد: «دمجت هذه الخطوة المصالحة السياسية مع المساعدات الإنسانية، ليس فقط على مستوى العمليات كما هو الحال في الصومال وأفغانستان، ولكن على المستوى الاستراتيجي أيضاً، حيث يُنظر إلى الإغاثة الإنسانية باعتبارها وسيلة لوضع حد للصراع».

ويردف بروديرلين القول: «ولذلك، يتوقف التمويل على احتمال التوصل إلى حلول سياسية للأزمة التي أصبحت شرسة للغاية، وعندما لا يحدث تحسن على المستوى السياسي، تعاني المساعدات الإنسانية».

دعم وتسييس

ومن جانبها، تعرب منسقة الإغاثة الطارئة ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري آموس عن اعتقادها بأنّ «الاستقطاب في السياق السياسي السوري له تأثير لا شك فيه، حيث تجد فجوة واضحة جداً من حيث الدعم السياسي لهذا الطرف أو ذاك من قبل العديد من الدول التي كان من المفترض تقليدياً أن تكون من الجهات المانحة في هذه الحالة».

ويناقض المدير التنفيذي للحملة السعودية لإغاثة السوريين مبارك بن سعيد البكر هذا الطرح بالقول: «لا يمكنني العثور على منظمة إنسانية دولية واحدة يمكنها أن تضمن لي أنها تستطيع تقديم المساعدة للأسر المحتاجة»، مضيفاً: «لسوء الحظ، قام النظام السوري بتسييس وكالات الأمم المتحدة العاملة داخل سوريا، والهلال الأحمر العربي السوري مسيس أيضاً».

ويستطرد: «نحن أمام حالة إنسانية فريدة، حيث يقاتل النظام شعبه ويوجه المساعدات إلى من يريد».

تعهدات فارغة

وقد يقول المراقبون أيضاً إن الجهات المانحة هونت من شأن الصراع في البداية، فلم يعتقد أحد أنه سيستمر طوال هذه المدة. وبعض البلدان تجد الآن صعوبة في مواكبة سرعة تغير الحقائق على الأرض.

ولكن بيتر هارلينغ، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، لا يعتبر أياً من هذه التفسيرات صحيحاً، لافتاً: «الاحتياجات في سوريا ضخمة، وليس هناك شك في أن الأزمة الإنسانية ستثير المزيد من تطرف وانهيار هذا المجتمع الهش، ولكن الحقيقة هي أن الحكومات الغربية ترضي نفسها بتصريحات فارغة وتعهدات غير صادقة».