مدينة منبج أو ما يطلق عليها مدينة الشعراء نسبة إلى الشاعر عمر أبو ريشة والبحتري ودوقلة المنبجي، تقع هذه المدينة على مسافة 80 كم إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب، وخرجت منذ قرابة الشهرين من تحت وصاية قوات النظام إثر معارك طاحنة خاضتها كتائب الجيش الحر مع فلول قوات النظام المتحصنة في مقرات الشرطة والأمن.
تنفس أهالي المدينة، التي يبلغ عدد سكانها قرابة 200 ألف نسمة، الصعداء مع كتائب الجيش الحر الثماني العاملة فيها. واعتبروا هذا «التحرر» بمثابة الخلاص من سطوة الاستبداد المعمر منذ أكثر أربعين عاماً.
عدم استقرار
بيد أن هذا الانتصار شابه مناخ من عدم الاستقرار، وذلك بفعل عاملين رئيسيين، الأول: الخروقات الأمنية المتواصلة جراء شن قوات النظام الغارات الجوية المنطلقة من المطارات الحربية المجاورة للبلدة مخلفاً وراءها يومياً عدداً من الضحايا بين المدنيين والمسلحين. والثاني: صعوبة إدارة شؤون البلدة بسبب الافتقار للخبرة.
فالغارات الجوية على المدينة تكاد لا تهدأ وتيرتها، وقد استهدفت أخيراً مستشفى تشرين، وهو المكان الوحيد الذي يمكن وصفه بأنه مخصص للحملة الإغاثية، حيث راح ضحيته عائلة مؤلفة من أربعة أشخاص.
ويشير أبو حمدان وهو ممرض يعمل في المستشفى: إلى أن «قصف النظام لا يميز بين مدني ومسلح.. جميع الناس مستهدفون، تحررنا على الأرض، ونعاني في الوقت نفسه من الغارات الجوية، النظام قطع علينا الدواء كاملة، ما يسعفنا قليلاً الإمدادات الطبية القادمة من المناطق المجاورة كما ننقل الإصابات الخطيرة للمعالجة فوراً إلى تركيا».
اختلاط
وتشكل منبج نموذجاً اجتماعياً مختلطاً بين العرب والكرد ، إذ يشكل العرب ثلثا السكان فيما يشكل الكرد الثلث الباقي، ويستقرون على طرفي الطريق العام من الجهة الشرقيّة. وأسفر هذا الاختلاط عن إبرام تفاهم مشترك بين الطرفين، حيث يدير المجلس الثوري مع كتائب الجيش الحر دفة الإدارة في مناطق نفوذ العرب، في حين تتحمل الأحزاب الكردية مسؤولية إدارة شؤون الأكراد. ويقول أبو ياسر المقيم في المدينة رغم القصف المستمر، وكان يعمل في مهنة التدريس: «نصف سكان المدينة غادروا إلى قراهم، والقصف لم يستثن مراكز الجيش الحر ولا المدنيين، أعمال الناس متوقفة منذ عام كاملة».
ويرفض أبو ياسر النزوح من المدينة، التي تعرضت عبر تاريخها إلى الدمار أربع مرات، حسب قوله، ومع هذا الدمار الجديد يرتفع العدد إلى خمس مرات. ويعبر أبو ياسر عن رغبته بالموت هنا على أن يترك مدينة أجداده.
خدمات أولية
وعلى الرغم من قطع الاتصالات منذ شهر عن البلدة إلا أن المجلس الثوري يسعى جاهداً لتأمين الخدمات الأولية للقاطنين من الغاز والمازوت والبنزين وتوفير الطحين والخضار، ومن أجل ذلك أسس لجاناً من المدنيين لتأمين احتياجات من بقي من السكان.
ويشير عبد القادر وهو عضو في لجنة تأمين الطحين إلى أن «مطحنة منبج يديرها عناصر الجيش الحر، وقد أخذ السكان احتياطهم من القمح تحسباً لأي طارئ، نحن نعتمد على أنفسنا رغم تحديات كبيرة جراء ترك معظم موظفي الحكومة وظائفهم».
ويردف عبد القادر: «يأتينا المازوت من حلب وتحديداً في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر لكن بكميات قليلة تكاد تسد مخزون الفرن الآلي، أما البنزين والخضار فيتم توزيعها نادراً وعبر شخصيات مدنية تعمل في التجارة، وهم متعاونون مع السكان والجيش الحر معاً».
هذا الانقطاع شبه التام في المواد الأساسية أصبح سبباً لنقمة الأهالي على ممارسات المجلس الثوري إثر تغاضيه عن خروقات فلول النظام داخل صفوفه. إذ يقول ناشط فضل أن يطلق على نفسه منذر: «لقد استولى أشخاص من فلول البعث على ممتلكات المدينة ومواردها المالية بعدما أعلنوا ولاءهم للجيش الحر، لا نعرفهم ولأول مرة نسمع بأسمائهم».
ويضيف منذر الذي كان ينظم التظاهرات في بداية الثورة: «لم يكن لهم أي تواجد في الحراك الثوري ولا حتى في التظاهرات التي كنا نخرج فيها، الآن أصبحوا أسيادا بنظر أنفسهم ونظر بعض أبواقهم».
تطهير
من أجل تطهير كتائب الجيش الحر من فلول النظام، قام المجلس الثوري مؤخراً باستدعاء وجهاء البلدة للبحث في القضايا الشائكة، وأهم ما توصل إليه الاجتماع، كما يقول أبو تامر، بأن الجيش الحر سيعمل على التحقق من جميع منتسبيه كباراً وصغاراً وبغض النظر عن رتبهم أو مواقعهم، لأن الخطأ في مثل هذه الأحوال قاتل». ويضيف أبو تامر القول إن «الثورة لا بد أن تكون للجميع ولا يحتكرها أحد لا مجلس ثوري ولا كتائب تحرير، فمدينة منبج ليست نهاية المطاف، ولا تزال حلب تدك بالمدفعية والميغ والهاون».