في كل مرة يتزحلق المرشح الجمهوري، متّ رومني، الذي صار بمنزلة اليقين أنه مدمن على الهفوات والسقطات التي حكمت خطابه الانتخابي من البداية، تسارع قيادات الحزب إلى نجدته، ويهرع فريق حملته إلى كنس الآثار وتقليل الخسائر، مع إعادة برمجته كي يقطع هذه العادة، لكن الرجل على ما يبدو، مطبوع على الشطط وفضح نفسه، بالأحرى هو أمين مع نفسه كما مع الناخب، مصرّ على تقديم حاله كما هو فعلاً، والمشكلة بالنسبة لحزبه أن ما هو عليه، بضاعة تعذر حتى الآن تسويقها، لغو «وادعاء ما ليس فيه»، لذا أرعب إصراره الكثير من النخب والقيادات في الحزب الجمهوري، التي جاهرت علناً بانتقاده، وبعضها لم يتردّد في التعبير عن ضيقه منه، بلغة التوبيخ، خاصة بعد السقطة التي كشف عنها النقاب في الأيام الأخيرة، والتي تشبث في التوكيد عليها رغم الأذى الذي تسببت به، مما زاد من منسوب الهبوط والإحباط لدى هذه النخب، التي قيل انها بدأت تتحدث في حلقاتها الخاصة عن «مرحلة ما بعد الانتخابات»، من باب التسليم بأن مرشحها بات في حكم المهزوم سلفاً.
في شريط مسجل بالصوت والصورة لجلسة عقدها خلال مايو الماضي مع مجموعة من الأثرياء، معظمهم من اليهود، الداعمين لحملته؛ قال انه «لا يهتم بأمر 47 في المئة من الشعب الأميركي»، على أساس أنهم من مؤيدي أوباما في كل حال. وعندما جاء على سيرة السياسة الخارجية، قال ان «الفلسطينيين غير معنيين بالسلام، وليس هناك أمل بأكثر من تحقيق درجة من الاستقرار، مع التسليم بأن هذه القضية باقية من غير حلّ»، كان يحسب أن الجلسة الخاصة البعيدة عن عين الرقيب الإعلامي؛ تسمح له بكشف حقيقة قناعاته.
مطلع هذا الأسبوع حصلت إحدى المجلات على نصّ التسجيل، المسرّب على ما بدا من داخل فريق حملته ونشرت مضمونه، كلامه سدّد لكمة أخرى لحملته وزاد من تآكل صدقيته الهشة أصلاً، وهو الذي سبق ووقع في أكثر من مطبّ، خلال الحملة. مرة قال ان «أوضاع الفقراء لا تقلقني»، بزعم أن هناك صمامات أمان لمساعدتهم، علماً بأنه ينوي مع حزبه خنق مثل هذه المساعدات، ثمّ تهرّب من كشف ملفه الضرائبي، ما عدا آخر سنتين. ويرى أن روسيا هي «العدو الجيوسياسي الأول لأميركا». تسرّعه أوقعه بإحراجات كثيرة، خاصة سذاجة مقاربته لشؤون السياسة الخارجية. حتى الإعلام اليميني الواقف إلى جانبه، لم يتردد في تسخيف طرحه وزلاّته، «إنها ليست سوى غباء وغرور»، على حدّ تعبير بيل كريستل، أحد عتاة المحافظين.
آخر استطلاعات الرأي كشفت عن تقدم الرئيس أوباما على رومني بخمسة إلى سبع نقاط. بالأرقام، الفجوة صغيرة. لكن رومني لم يقو حتى اللحظة، على مغادرة المرتبة الثانية، وتقول السوابق، حسب خبراء الانتخابات، ان استمرار تعثّر المرشح وعجزه عن الإقلاع ولغاية مثل هذا الوقت من سبتمبر؛ معناه أن حملته غير قادرة على حمله إلى البيت الأبيض، إلا بمفاجأة غير محسوبة تنقلب معها خيارات الناخبين، ومثل هذه النهاية يتردّد أنها باتت حديث بعض نخب الحزب، التي بدأت تنظر من الآن إلى «ما بعد الانتخابات الخاسرة». صحيح أن طروحات الجمهوريين والداخلية بخاصة، المتعلقة بالضرائب وخفض البرامج الاجتماعية وقضايا المرأة والهجرة والأقليات، لم تكن قادرة حتى الآن على الاستقطاب. لكن اشتباك رومني الحقيقي مع رومني المرشح ساهم أيضاً في إضعاف هذا الأخير لصالح أوباما.
الحرس القديم
من الأساس كان ترشيح رومني موضع خلاف في الحزب الجمهوري. الحرس القديم دفع به إلى الواجهة، خشية وصول أحد رموز يمين اليمين، الذي لا يرتاح إلى قيادة الحزب التقليدية وخطها «المهادن» في السياستين المحلية والخارجية. لكن الرجل بدا أنه عصي على التلميع، بالرغم من كثرة مساحيق التجميل والتجريع التي استخدمت في تسويقه، فصورته ما زالت باهتة حتى في نظر فريق من المحافظين المتشددين، الذين إن أدلوا بأصواتهم فلكي يساهموا في هزيمة أوباما وليس إعجاباً برومني.
