تتباين معاناة النازحين في حلب ثاني أكبر المدن السورية مع التموضع الطبقي والاجتماعي لكل شريحة، وقد يبدو هذا التصنيف غريباً في الوهلة الأولى من وجهة نظر المراقبين، كون القاسم المشترك بين النازحين في عناوينه العامة يتجلى في الاغتراب عن الديار والأهل وترك الأرزاق عنوة.

وتزداد الصورة قساوة في مشهد النازحين الحلبيين مع تباعد الفروقات الاقتصادية بين الفئة الفقيرة مقارنة مع نظيرتيها الثرية والوسطى، فأولى تلك الشرائح التي تنأى بنفسها عن مشقات الشتات هم النازحون الأثرياء. وحسب أبو طارق، محامي متقاعد (68 سنة) فإن تلك الشريحة تتمتع بمستوى اقتصادي جيد، غالبيتهم تجار وصناعيين من النخبة الأولى، لدى بدء معركة تحرير حلب قرروا السفر إلى خارج البلاد كملاذ آمن لعائلاتهم ولرؤوس أموالهم، وقصدوا مصر وتركيا وبعض الدول الأوروبية، وبالتوازي مع ذلك كما يقول أبو طارق المقيم في حي الجميلية وسط حلب: «اتخذ قسم من هذه الشريحة النزوح الداخلي صوب المحافظات البعيدة عن الصراع.

ملاذ الأقارب

ومما لا شك فيه أن مدينة حلب لا تزال تحافظ على ميراث أواصر القربى بين العائلات الموزعة ضمن الأحياء المجاورة، ويتحدث صادق الحلبي، الناشط في تنسيقيات الثورة، إلى الفئة الثانية من النازحين، وهي الشريحة التي لجأت إلى بيوت أقربائها. ويردف صادق: «يصل تعداد الذين نزحوا من أحياء صلاح الدين وسيف الدولة والاذاعة و بستان القصر وهنانو والمشهد إلى بيوت أقرباء لهم في المناطق غير الساخنة إلى عشرات الآلاف».

جذور ريفية

أما الفئة الثالثة من شريحة النازحين المتضررين من الغارات الجوية والقتال في شوارع حلب، فكانوا النازحين القاصدين قراهم، ويسهب عبد الصمد (مدرس في مادة التاريخ ومقيم حالياً في حي الأشرفية بحلب) في معرض حديثه حيال أوضاع هذه الشريحة: «غالبيتهم من أصول ريفية القريبة من البلدات والقرى في حلب، لديهم أقرباء في الريف الشمالي والشرقي المسيطر عليه حالياً الجيش الحر، ويقدر عددهم بعشرات الآلاف».

أفقر النازحين

أما الفئة التي نزحت إلى المدارس في المناطق غير الساخنة فقد كانت مدار النقاش بوسائل الإعلام طيلة الأيام الماضية، كونها تعد أفقر طبقات النازحين، ووصل عددهم الى ما يزيد على 100 ألف شخص توزعوا على السكن الجامعي وعلى ما يزيد من 200 مدرسة. وأكد نشطاء مؤخراً أنه تضاءلت المساعدات المقدمة لهم في ظل الضغط الاقتصادي الكبير على بقية السكان، خاصة من الطبقة الوسطى التي قدمت الكثير من التبرعات خلال الأشهر الماضية بمثابة إخراج أموال الزكاة.a

 

قنبلة موقوتة

تضاءلت قدرة الشريحة الوسطى على تقديم المزيد من المساعدات للنازحين، ويقول أبو فايز المشرف على توزيع الإمدادات للمدارس: «تزامن ذلك مع غياب شبه كامل للدعم الأساسي من قبل كبار التجار الأثرياء ممن يستوردون بواخر المواد الغذائية وغيرها». مضيفاً «وقع عبء تقديم المساعدات على صغار التجار نسبياً». ويعتبر أبو فايز أن أوضاع النازحين تشكل قنبلة موقوتة مع اقتراب الأنباء عن إخلاء المدارس لبدء العام الدراسي الجديد، فضلاً عن غياب الدعم الفعلي والحقيقي من قبل الأجهزة الحكومية.