من بعيد يبدون وكأنهم يفرغون في دلاء حقلاً للنفط الخام في أرض مكشوفة. وفي الواقع يجمع هؤلاء المزارعون السوريون محروقات لكن مادتهم الأولية هي الزيتون.
وتجفف أسرة أحمد أبو أحمد (80 عاماً) قرب مدينة الباب التي تستهدف يومياً بغارات الطيران السوري في شمال شرق حلب، في الشمس عجينة الزيتون الممزوجة بالماء والمعروفة باسم الجفت، التي ستكون هذا الشتاء بديلاً للمازوت الذي ارتفع ثمنه كثيراً بسبب الحرب.
عودة إلى الطبيعة
ويقول الرجل المسن مبتسماً «أجدادنا كانوا يفعلون ذلك. ومع اندلاع المعارك أصبح الفيول لتشغيل المواقد باهظ الثمن. وبدأنا العام الماضي مجدداً بتجفيف عجينة الزيتون». مضيفاً القول «اتذكر ذلك جيداً عندما كنا أطفالاً. لم يكن هناك أي بديل آخر».
ونزلت نساء في العجينة السوداء التي تفوح رائحتها من الحفرة الكبيرة التي أقيمت بين أشجار الزيتون والفستق.
وتقوم النساء بمساعدة أطفال يضحكون ويلهون، بملء دلاء ينقلونها الواحد تلو الآخر لإفراغها في قاطرة تجرها جرافة.
ويجلس قرب الحفرة رجال يدخنون أثناء مراقبتهم العملية، ويشرحون مراحلها لصحافيين أجانب لكنهم لا يسمحون لهم بالتقاط صور للنساء.
عملية معقدة
ويقول مصطفى (37 عاماً) أحد أبناء أحمد أبو أحمد «بعد عصر الزيتون ننقل بخرطوم كبير ومضخات ما تبقى منه في الحفرة من معاصر الزيتون التي ترونها هنا في الجانب الآخر من الطريق». وتابع «نضيف الماء ونترك المزيج طوال فصل الشتاء أي سبعة إلى ثمانية أشهر ثم في نهاية الصيف نخرجه لتجفيفه». ويتم لاحقاً تمديد عجينة الزيتون على الأرض في مربعات كبيرة.
وخلال أيام قليلة تجف العجينة تحت أشعة الشمس الحارقة في نهاية فصل الصيف وتتقلص وتتفتت إلى قطع صغيرة تجمع وتوضع في أكياس بلاستيكية كبيرة.
ويضيف مصطفى القول: «في الموقد تشتعل العجينة أفضل من الحطب أو أي مادة أخرى لاحتوائها على الزيت». مضيفاً القول «يتم إحراقها وحدها أو تمزج إلى قطع حطب تكون ساخنة جداً وتفوح منها رائحة عطرة».
أزمة محروقات
وارتفع سعر المازوت لإشعال المواقد إلى حد كبير من سبع ليرات سورية (0,08 يورو) لليتر الواحد قبل بدء المواجهات إلى 15 ليرة سورية واليوم الى 65 ليرة سورية (0,75 يورو).
ويؤكد أبو أحمد أن «المازوت أنظف وأكثر عملانية. لا حاجة إلى كل هذه العملية المعقدة. لكن لم يعد في امكاننا شراؤه لأنه باهظ الثمن»، مضيفاً القول «لا نبيع عجينة الزيتون بل نوزعها بيننا على الأسرة وأحياناً الجيران أو الذين ليس لديهم وسيلة تدفئة». وقال ابنه "قد تصل درجة الحرارة هنا إلى خمس درجات تحت الصفر في يناير. إننا قريبون جداً من الجبال في تركيا».
وقال أبو أحمد: «إننا كالنمل إذا لم نعمل خلال فصل الصيف نموت من البرد في فصل الشتاء».