مع أن الفصل الدرامي من الغليان وقع في ليبيا لكن النقمة الأميركية انصبت على مصر، وفيما تعزّزت على أثره علاقة واشنطن مع طرابلس تزعزعت مع القاهرة.
خسارة أميركا في بنغازي كانت مفجعة لها.. مع ذلك سارعت إلى تجاوزها. علّلت ذلك بأن السلطة الليبية ليست محسوبة على الخندق المتعاطف مع خط الجهة التي اقتحمت القنصلية. والدليل كان في ردّ الفعل الليبي الفوري الرسمي والشعبي من خلال الإدانة وتقديم التعزية والاعتذار؛ والذي لاقى الترحيب في واشنطن وطوى الحدث. والأهم أميركياً، أنه فتح العلاقات على تقارب أكبر بين البلدين.
صورة مغايرة
مع مصر، كانت الصورة مختلفة. المآخذ الأميركية على الرئيس المصري محمد مرسي كثيرة. يقولون إن حكومته «لم توفر الحماية الكافية لمبنى السفارة في القاهرة».. ثم إنه «تأخر» في إدانة الحدث الليبي. بقي حتى اليوم الثالث ليأتي باستنكار «فاتر».. ولم يفعل إلاّ بعد أن سمع كلاماً «جافاً» من الرئيس الأميركي باراك أوباما أثناء مكالمة هاتفية بينهما.
لكن المسألة كانت أكثر من مثل هذه الشكليات على أهميتها بالنسبة لواشنطن. فالإدارة ترى أنها ساهمت في تمهيد الطريق أمام وصول جماعة الإخوان المسلمين بالانتخاب إلى الحكم. ويعود ذلك إلى التحوّل الذي أدخلته في استراتيجيتها منذ مطلع ربيع 2001 والقاضي بقبول أي طرف إسلامي سياسي يأتي إلى السلطة عن طريق الاقتراع ووجوب التعامل معه. وبالتحديد في مصر. وليس سراً أن المسؤولين الأميركيين عقدوا عدة لقاءات مع قيادات جماعة الإخوان في القاهرة عشية الانتخابات والانتقال من العسكر إلى السلطة المدنية. راهنت الإدارة على هذا الموقف، على أساس أنه ينسجم وفق حساباتها؛ مع المعطيات الجديدة في المنطقة. ويومها تعرضت وما زالت إلى كثير من الغمز والتهشيم من جانب المحافظين الذين نسجوا روايات وسيناريوات اتهامية ضدّ أوباما، بسبب ذلك.
ردود غاضبة
الموقف المصري، حيال السفارة في القاهرة كما تجاه حادثة بنغازي؛ رأته إدارة أوباما وكأنه تفشيل للتحول الذي أجرته في استراتيجيتها، كما لمراهناتها. فجاءت ردودها غاضبة. بل جاءت كافة الردود الأميركية، ناقمة بدرجة أو بأخرى، على مصر الإخوان، المأمول منهم أكثر من ذلك وفق الحسابات الأميركية. وطبعاً رافق خطاب المعاتبة تذكير، مع التحذير، بالمساعدات السنوية؛ نحو ملياري دولار سنوياً. كما بمبلغ المليار دولار الذي قررت واشنطن شطبه من ديون مصر. فضلاً عن التذكير بالقرض الذي طلبته مصر من صندوق النقد الدولي، بقيمة نحو خمس مليارات دولار، والذي وعدت واشنطن بدعمه. أوراق كثيرة جرى التلويح بها، في وقت يمر فيه الاقتصاد المصري بضائقة خانقة.
لكن في نفس الوقت، ورغم بعض الردود التي ذهبت إلى حدود المطالبة بقطع المساعدات عن مصر، سارعت بعض الدوائر المعنية بالشؤون الخارجية، إلى المطالبة بالتروي وعدم التسرع بالأحكام. فما جرى في مصر «ليس كما جرى في إيران يوم جاء الإمام الخميني». ثم إن العملية الانتقالية «لم تنته بعد في مصر، التي تقوم فيها حكومة منتخبة. كما ينبغي التمييز بين من يريد القضاء علينا وبين من لا يريدنا».
كذلك حصل التنويه بقرار «الإخوان» الذي صرف النظر عن التظاهرة المليونية في القاهرة. كما جرى التذكير بموقف الرئيس المصري «الشجاع»، تجاه سوريا، في مؤتمر عدم الانحياز بطهران في وقت سابق من هذا الشهر. واستغرب كثير من المراقبين قول الرئيس أوباما في إحدى مقابلاته الأخيرة، بأن «مصر ليست حليفاً ولا عدواً». مع أنها محسوبة وفق القاموس الأميركي في خانة الحليف المهم من خارج «الناتو» منذ كامب ديفيد.
علاقات مهتزة
ربما اهتزت العلاقات في ضوء الأحداث الأخيرة. لكن ما حصل لا يكفي لفرض إعادة النظر فيها. هناك ما هو أهم في حسابات واشنطن على المدى الطويل: ثقل مصر ومراهنة واشنطن على نجاح عملية الانتقال السياسي فيها واستثمار أكثر من ثلاثة عقود في حبك علاقات قوية معها، عسكرية وسياسية واقتصادية وغيرها. ثم هناك معاهدة السلام مع إسرائيل التي تحرص واشنطن على حمايتها وعدم التفريط فيها في أي شكل من الأشكال. يعزّز من ذلك، حسب القراءات الأميركية، أن النظام الجديد في مصر لديه هو الآخر أولويات داخلية ضاغطة، اقتصادية معيشية وسياسية. كما عليه إثبات التزامه بقواعد اللعبة الدولية، كي يقوى على تمكين مصر من استعادة دورها الإقليمي والدولي، كلاعب على الساحتين. وقد أعطى إشارات ولو متأخرة في هذا الاتجاه.
إدارة اوباما تعرف وكذلك إدارة مرسي أن العلاقات بينهما بعيدة عن التوافق. لكنها محكومة بالتعايش. على الأقل في الأمد المنظور. والمسافات الإيديولوجية بين الاثنين بعيدة. لكن للسياسة قوانينها وأولويتها، وكلاهما يدرك هذه الحقيقة التي تفرض التراجع على كل الأطراف.