أحيت أميركا الثلاثاء الماضي الذكرى الحادية عشرة لهجمات 11/ 9 الإرهابية بدرجة أقل من المشاركة والأضواء؛ مقارنة بالسنوات السابقة. وشمل ذلك حتى الجانب الرسمي منها، الذي اقتصر على زيارة الرئيس لمبنى البنتاغون؛ كما على زيارة نائبه بايدن ووزير الدفاع بانيتا لموقع سقوط الطائرة الانتحارية الرابعة في بنسلفانيا، قبل وصولها إلى واشنطن.

في مكان المركز التجاري العالمي بمدينة نيويورك، بقي إحياء الذكرى في حدود مشاركة عائلات الضحايا وما رافقها من تعبيرات استعراضية رمزية، مع غياب الخطابات السياسية التي منعها رئيس بلدية المدينة مايكل بلومبيرغ هذه السنة، ولأول مرة منذ وقوع الهجمات.

كما لوحظ أيضاً أن المراسم التي كانت تقام بهذه المناسبة في عدة مدن ومراكز أميركية، كانت شحيحة هذه السنة. وما أقيم منها جاء بصورة مقتضبة، حسب ما وصفته وسائل الإعلام. وكأن هناك توجّه لتجاوز هذه الذكرى كمحطة تستخدم للتحريض وشحن الأجواء، من دون نسيان دروسها. خاصة أنه مضى ما يكفي من الزمن لمثل هذا التبريد، حيث لم تقع خلاله أعمال إرهابية خارجية تذكر فوق الأراضي الأميركية.

غير أن ما أوحى ببداية «ذبول الذكرى» لا يعني أن المخاوف الأمنية تلاشت. قسم كبير من الأميركيين ما زال يعرب عن قلقه وعدم اطمئنانه من احتمال وقوع عمليات إرهابية في الساحة الأميركية. خاصة أنه بين الفينة والأخرى، حيث صدرت توصيات في يوم الذكرى عن السلطات المختصة بوجوب الحذر من أي شيء أو أي شخص يثير الريبة وإبلاغ الشرطة عنه بسرعة.

حادثة بنغازي

ثم جاء مقتل السفير الأميركي ومعه ثلاثة دبلوماسيين في بنغازي، ليعيد فتح سيرة التطرف ومخاطره، مع ما ينطوي عليه ذلك من استحضار لكابوس الإرهاب، وتحريك مناخات الاستعداء للعرب والمسلمين، لدى الرأي العام الأميركي. وبالتحديد ليعطي شحنة من الذخيرة الإضافية للقوى المحافظة والمتصهينة وأبواقها الإعلامية التي سارعت إلى توظيف الحادثة والنفخ في بالون التنفير والتأليب.

لكن قبل هذا التطور الدرامي، سجّل بارومتر الإسلاموفوبيا في أميركا، خلال الشهور الماضية، هبوطاً ملحوظاً في درجة حرارته. ويعود الانكفاء إلى عدة أسباب. من أبرزها ما أثاره موضوع بناء المركز الإسلامي في مانهاتن قلب مدينة نيويورك، من جدل اتسم بوقوف جهات أميركية وازنة إلى جانبه منها الرئيس الأسبق كارتر ورئيس بلدية نيويورك بلومبيرغ وهو يهودي وردودها الوازنة على اعتراضات اليمين والمحافظين.

ومنها أيضاً الضجة التي حصلت بشأن تهديد أحد رجال الدين في ولاية فلوريدا بحرق كتاب القرآن الكريم، وما أثاره من صخب إعلامي وانقسام حمل الرئيس أوباما إلى التدخل والإيحاء بضرورة التراجع عن مثل هذه الرعونة.

ولم تكن الردود أقل شدّة عندما أصرّ النائب المحافظ بيتر كينغ رئيس لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب على عقد جلسة، قبل أكثر من سنة، تستمع فيها هذه اللجنة إلى إفادات شهود حول ما سمّاه «واقع التطرف في صفوف المسلمين الأميركيين، ومدى تعاونهم مع الجهات الأمنية ضدّ العناصر المتطرفة بينهم». العنوان الذي اختاره استثار ردود فعل صاخبة، لشدة ما كان مشحوناً بالعداء والتحريض. وقد انقسمت إعلامياً وسياسياً، بين مع وضدّ؛ رجحت فيها كفة الشقّ الثاني. حتى بعض المراجع الأمنية خالفته التوصيف.

قفص الاتهام

بنتيجة هذه التطورات، وما نتج عنها من تحذيرات بوجوب الإقلاع عن ذهنية وضع العرب والمسلمين بالجملة في قفص الاتهام، وخطورة مثل التوجه؛ حصل نوع من الانكماش للموجة.

الجولات التي خاضها أصحابها لم تحقق أغراضها. «والصحافة صارت أكثر حساسية لتجنب الصورة النمطية المناوئة للعرب والمسلمين، بل واعتماد لغة التفاهم»، على ما يرى رئيس المؤسسة الأميركية العربية جيمس زغبي الذي يقول أيضاً إن «ما تبقى من أجواء العداء تقف وراءه قوى اليمين، ومنها في الكونغرس، مثل النائبة ميشال باكمن التي ذهبت في تحريضها إلى الزعم بأن في الحكومة الأميركية من هم متعاطفون مع حركة الإخوان المسلمين»

. وقال: «لكن الاستبيانات التي قمنا بها كشفت أن أوضاع العرب والمسلمين اليوم هي أفضل مما كانت عليه العام 2010».

ثم جاء مقتل بن لادن، وبعده قيادات أخرى في «القاعدة»، ليضعف بعض الشيء أرضية التحريض ضدّ العرب والمسلمين. فالاعتقاد الراجح في صفوف المحللين والخبراء المعنيين، أن تنظيم القاعدة بعد تصفية معظم قياداته، تقصقصت جوانحه، ولم يعد حركة ذات مركزية وهرمية متماسكة.

فهو الآن، كما يقولون، أشبه بتيار مؤلف من خلايا مستقلة؛ تعمل باستقلال عن بعضها البعض. لكن إذا كان هذا الوضع قد حدّ من عملياتها، إلاّ أنها لاتزال خطيرة وقادرة على الإيذاء. ذلك أنها، حسب هذا التصور، صارت مبعثرة ومجهولة أكثر بسبب تعدّد قياداتها وخططها. ساهم أيضاً في انحسار خطاب التحريض، ضمور قوة حركة طالبان الأفغانية؛ حسب ما تقول واشنطن.

فرغم عدم القدرة العسكرية حتى الآن على تجفيف قدرات هذه الحركة، غير أنه «لم يعد في مقدورها العودة إلى الحكم في أفغانستان» كما يقول خبير الشؤون الأمنية والخارجية في مؤسسة بروكينغز للدراسات في واشنطن. ذلك أن الناتو يعتزم ترك قوة كافية بعد انسحابه المقرّر في العام 2014، ولمدة قد تزيد على عشر سنوات، لدعم ومواصلة تدريب القوات الأفغانية. والتقديرات تتراوح بين 20 و65 ألف جندي.

تغيير الذهنية

بنتيجة هذه التطورات وما نتج عنها من تحذيرات بوجوب الإقلاع عن ذهنية وضع العرب والمسلمين بالجملة في قفص الاتهام، وخطورة مثل التوجه؛ حصل نوع من الانكماش للموجة. الجولات التي خاضها أصحابها لم تحقق أغراضها.

ثم جاء مقتل بن لادن وبعده قيادات أخرى في «القاعدة» ليضعف بعض الشيء أرضية التحريض ضدّ العرب والمسلمين. فالاعتقاد الراجح في صفوف المحللين والخبراء المعنيين، أن تنظيم القاعدة بعد تصفية معظم قياداته، تقصقصت جوانحه ولم يعد حركة ذات مركزية وهرمية متماسكة.

فهو الآن، كما يقولون، أشبه بتيار مؤلف من خلايا مستقلة؛ تعمل باستقلال عن بعضها البعض. لكن إذا كان هذا الوضع قد حدّ من عملياتها، إلاّ أنها ما زالت خطيرة وقادرة على الإيذاء. ذلك أنها، حسب هذا التصور، صارت مبعثرة ومجهولة أكثر بسبب تعدّد قياداتها وخططها.

إسلاموفوبيا

لكن خميرة الإسلاموفوبيا موجودة. والخشية اليوم، بعد حادثة بنغازي وفورة الغضب الأميركية التي أعقبتها، أن يعاد تحريكها. لا سيما أن التغطية والردود التي توالت على مدى الساعة، فاضت بالحديث عن «المتطرفين الإسلاميين»، وعناصر «القاعدة»، بكونهم الجهة التي قامت بالهجوم على مبنى القنصلية الأميركية هناك.

وهذا من شأنه مدّ الخطاب التحريضي الكامن بالأوكسجين من جديد. ولذلك سارع الرئيس أوباما في كلمته التي ألقاها بعد هجوم بنغازي إلى حصر العملية بهذه الجهات، وتبرئة الشعب الليبي وحكومته من الجريمة.

كما حرصت أصوات ليبرالية كثيرة على تصويب الإصبع نحو هذه الفئات، وعزلها عن عموم الجمهور العربي والإسلامي. أيضاً سارعت مرجعيات إسلامية، مثل المركز الإسلامي في واشنطن، ومركز آخر في إحدى ضواحي العاصمة، إلى استنكار العملية وإدانتها من باب أن الإسلام برئ منها.