لاتزال قضية الدستور التونسي، خاصة من حيث الصياغة ومواعيد مناقشته والتصويت عليه أو الاستفتاء حوله، تثير جدلًا واسعاً في الساحة السياسية والحقوقية والإعلامية التونسية، لأسباب عدة أبرزها سعى نواب حركة النهضة الإسلامية الحاكمة إلى تضمين مسودة الدستور التونسي مواد يرى مراقبون أنها تشكل تراجعاً عن مكاسب مجتمعية تتعلق بحقوق المرأة وحقوق التعبير ومدنية الدولة. إلا أن ما يمثّل تحدياً حقيقياً أمام المجلس الوطني التأسيسي وحكام تونس الجدد هو التدخل الخارجي من قبل المنظمات والجمعيات الدولية ذات الأجندات المرتبطة بمصالح دول كبرى، والتي لا تخفي إصرارها على التأثير المباشر في القرار الوطني.
وطالبت منظمة هيومن رايتس ووتش، في رسالة وجهتها الخميس إلى أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، المجلس «بتعديل مواد في مسودة الدستور من شأنها تقويض حقوق الإنسان بما فيها حرية التعبير، وحقوق المرأة، ومبدأ عدم التمييز، وحرية الفكر والضمير».
ويقول نائب المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة إيريك غولدستين إنه «إذا تم تمرير الدستور وبه هذه المواد فسوف يقوض حرية التعبير باسم حماية المقدسات، ويضع أساساً لتآكل مكتسبات البلاد في مجال حقوق المرأة، ويضعف بطرق أخرى التزام تونس باحترام اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية التي وقعت عليها».
ويضيف أن مسودة الدستور «تحتوي على الكثير من الثغرات التي ستسمح للسلطات بمصادرة الحقوق المؤكدة في الدستور حسب أهوائها. وعلى المجلس الوطني التأسيسي معالجة هذه الثغرات قبل التصويت على الدستور».
تذبذب قانوني
وتضيف «هيومن رايتس» أنها «اكتشفت في تحليلها لمسودة الدستور أن المادة 17، التي تنص على أن احترام المعاهدات الدولية واجب في ما لا يتعارض مع أحكام هذا الدستور، تخلق تذبذباً قانونياً في ما يتعلق بانطباق اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية التي صادقت عليها تونس. وربما يغري النص القضاة والمشرعين بتجاهل تلك المعاهدات بذريعة أنها تناقض الدستور الجديد».
وتقول المنظمة الحقوقية إن من النصوص الأخرى التي تبعث على القلق في الدستور التونسي المادة 3، التي تقول إن الدولة «تضمن حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية»، لكنها تُغفل الصياغة التي من شأنها تأكيد حرية الفكر والضمير. وتوضح المنظمة أن هناك قصوراً في حماية حقوق الإنسان إلى حد بعيد بوضع اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية التي صادقت عليها تونس، وحرية التعبير، وحرية الفكر والاعتقاد، والمساواة بين الرجل والمرأة، وعدم التمييز، كما اكتشفت هيومن رايتس ووتش عند تحليل المواد المقترحة».
والمادة 22، التي تقرر أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز بأي شكل من الأشكال، تناقضها مادة أخرى تنص على أن المسلم وحده يمكن أن يصبح رئيساً للجمهورية.. في حين تستدعي المادة 28 عن حقوق المرأة مفهوم التكامل بين دور المرأة والرجل داخل الأسرة، مع إغفال مبدأ المساواة بين الجنسين، حسب بيان المنظمة الأميركية.
ضغوط
يخشى المراقبون من أن تمثل رسالة هيومن رايتش ووتش جزءاً من ضغط الإدارة الأميركية على الحكومة التونسية، التي تجد نفسها منصاعة بالكامل لأوامر واشنطن في ظل وضع اقتصادي متأزم يحتاج إلى مواصلة الحصول على المساعدات الأميركية، خصوصاً من خلال القروض التي تحصل عليها تونس من المؤسسات المالية الدولية، إضافة إلى أن الضغوط الأميركية تأتي في إطار سعيها إلى الاستفادة من علاقاتها الخاصة مع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، بما في ذلك جناحه التونسي المتمثل في حركة النهضة التونسية.