دخلت المصالحة الفلسطينية عقب خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) نفقًا مظلمًا جديدًا، بعد انتقاده لحركة حماس وتحميله إياها مسؤولية عرقلة المصالحة ومنع لجنة الانتخابات التحضيرية في غزة من ممارسة عملها، وذلك مع تواصل التهديدات الإسرائيلية له حال توجه إلى الأمم المتحدة لطلب نيل استحقاق الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 4 يونيو 67 وعاصمتها القدس الشرقية.
الأزمة بين «حماس» و«فتح» ومستقبل المصالحة الفلسطينية ودور الوسيط المصري الراعي الرئيس لهذا الملف، أصبح مرهونًا عمليًا بالضغوط الأميركية والإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، لكن هناك من يرى أن هناك سيناريوهات ربما تمثل طوق نجاة لـ«أبو مازن» ومن ضمنها إعلانه من الخارج «حل السلطة الفلسطينية» لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته أمام الشعب الفلسطيني الذي يكون بدوره مواجهًا للاحتلال الإسرائيلي.
«حماس» من جانبها انبرى عنها المتحدثون ليطالبوا (أبو مازن) بالرحيل فيما ذهب أحد أفرادها إلى وصفه بـ«الديكتاتور»، فيما قال الناطق باسم حكومة «حماس» طاهر النونو إن عباس يريد التهرب من إتمام المصالحة، وغير مهتم بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة. واعتبر أن خطاب عباس «محاولة للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية عبر التصعيد الإعلامي ضد حماس والحكومة، وأن مفردات كلامه تعبر عن فشله في المفاوضات مع الكيان الصهيوني».
لا مبررات
من جانبه، يعلّق السفير الفلسطيني في مصر ومندوبها لدى جامعة الدول العربية بركات الفرا، على خطاب عباس، الذي قال فيه إنه «لن يتحاور مع حركة حماس قبل أن تسمح للجنة الانتخابات بالعمل في قطاع غزة»، في تصريحات خاصة لـ«البيان»: «هذا طبيعي بناء على اتفاق الدوحة، وعندما طلب رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل ، من الرئيس أبو مازن أن يقبل رئاسة الحكومة الانتقالية أو الإنقاذ الوطني تشكل من التكنوقراط كانت مشروطة بأن يتم تشكيلها عـــندما تبدأ اللجنة العليا للانتخابات ممارسة عملها في قطاع غزة، وكان مقررًا لها أن تبدأ عملها 2 يوليو الماضي، فلــــما ذهبت إلى هناك، قام الأخوة في حركة حماس، بمنعها من العمل وكانت تحتاج فقط إلى ثلاثة أسابيع لتسجيل الناخبين الذين لم يتم تسجيلهم منذ انقلاب حماس يوليو 2007، حتى الوقت الراهن».
ويضيف الفرا: إن «الحكومة الانتقالية لها سقف زمني محدد وهو الإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني»، مشددًا بالقول إنه لا يوجد أي مبرر -أيًا كان- يقضي بمنع اللجنة العليا للانتخابات من ممارسة عملها، وخاصة أن هذه اللجنة تم تشكيلها بقرار من السيد الرئيس بناء على موافقة الأخوة في حركة حماس وجميع أفراد الفصائل الفلسطينية، مشيرًا إلى أن أسماء هذه اللجنة مستقلة ولا أحد له سلطان عليها.
وينتقد الفرا حركة «حماس»، متسائلاً: «وافقتم على اللجنة والأشخاص فلماذا توقفوا عملها؟!»، معـتبرًا أنه «لا يوجد أي خلاف سياسي مـــع الأخوة في حماس حول حدود دولة فلســطين لعام 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وأن تكون المقاومة سلمية، ويعطى لعملية السلام فرصة للوصول إلى الذي يقبله الشعب الفلسطيني».
ممثل شرعي ووحيد
وعن انتقاد «حماس» لخطاب عباس، ووصف القيادي في الحركة النائب إسماعيل الأشقر له بـ«الدكتاتور» وأن عليه أن يرحل وأنه يقوم بعمل فتنة وتصدير للأزمة، يقول الفرا: «هذا الكلام الذي يقوله النائب إسماعيل الأشقر لا يجوز له أو لغيره أن يقوله؛ لأن الأخ أبو مازن هو رئيس منتخب من الشعب الفلسطيني، وهو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ولم يأتِ ببراشوت».
ويتابع السفير الفلسطيني قائلاً: «لم يقل الرئيس أبو مازن شيئًا مخالفًا لما تم الاتفاق عليه مع الأخوة في حركة حماس، لكن بين حماس خلافات داخلية تمنعهم من أي ينفذوا الاتفاق، وهناك أناس في الحركة لديهم مصلحة في استمرار الوضع على ما هو عليه».
تناقض وتوتر
وردًا على تصريحات طاهر النونو، التي قال فيها إن «خطاب عباس محاولة للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية عبر التصعيد الإعلامي ضد حماس والحكومة»، يقال الفرا لـ«البيان»: «هذا تناقض في تصريحاتهم.. فالأزمة الموجودة في الضفة الغربية كما أشار إليها الرئيس عباس حتى في خطابه أمام الجامعة العربية بأن الربيع العربي وصل إلينا والشعب الفلسطيني له الحق كاملا في أن يطالب بما يشاء، لكن الشعب الفلسطيني الذي طلبه في تظاهرته، هو حل المشكلة الاقتصادية ومعالجة ارتفاع الأسعار والغلاء الذي أثقل على حياة السكان، ومن ثم طلب من الرئيس وحكومة إسماعيل فياض، أن يراعوا هذا، ومن ثم لتخفيف المعاناة الاقتصادية للسكان في الضفة الغربية وهذا مطلب عادل.. وليس له علاقة بموضوع المصالحة».
وعن وجود وساطة من الدولة المصرية لرأب هذا الصدع بين الرئيس عباس و«حماس»، قال: «ملف المصالحة كله في يد مصر الأمينة والمخلصة والجادة للوصول إلى المصالحة، ومن ثم الدور المصري هو الأساسي، والمصالحة بدأت في مصر ولن تنتهي إلا في مصر».
ويتابع قائلاً: «مصر بذلت جهودًا كبيرًا، لكن مثل هذا الكلام الفارغ للأشقر يوتر الأجواء ويدلل على أنهم لا يريدون مصالحة وغير معنيين بها.
ويلفت الفرا إلى خطاب الرئيس المصري محمد مرسي في قمة عدم الانحياز ومطالبته بتنفيذ الفصائل ما تم الاتفاق عليه من اتفاقات للمصالحة، مضيفًا: «نحن لا نطالب حماس بأكثر من ذلك وتنفيذ ما وقعت عليه».
مرحلة نهائية
من جهته، يقول مدير مركز الدراسات الفلسطينية إبراهيم الدراوي تعليقًا على التراشق بين عباس و«حماس»، في تصريحات خاصة لـ«البيان»: إن «المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس وصلت إلى مراحلها النهائية في الدوحة عندما طلبت حركة حماس من محمود عباس عدم تشكيل الحكومة لمدة 15 يومًا فقط ثم جاءت حركة حماس وعقدت اجتماعًا لمكتبها السياسي في القاهرة لأول مرة بعد الثورة المصرية، وكان التوافق على أن يكون عباس رئيس وزراء فلسطين وأن يكون رئيس السلطة وأن يكون الوزراء من المستقلين لا من فتح أو حماس، وذهب أبو مازن إلى رام الله، وفوجئنا بعدها أنه خرج بتصريح بأنه لن يقوم بتشكيل الحكومة إلا إذا وافقت إسرائيل على إجراء الانتخابات في القدس وكانت هذه هي المعضلة الوحيدة الموجودة عند الرئيس محمود عباس ثم وافقت حركة حماس على إجراء لجنة الانتخابات في قطاع غزة، ولكن فوجئت أن هناك تضييقات أمنية على أعضاء الحركة وكوادرها في الضفة الغربية لذلك أخذت قرارًا ضد لجنة الانتخابات».
حل السلطة
ويرى الدراوي أن الحل الأمثل لأبو مازن هو حل السلطة الفلسطينية للتخلص من الضغوط الأميركية وإنجاز المصالحة، قائلا: «المشكلة الوحيدة أن الرئيس محمود عباس عندما أرسل الوزير صائب عريقات إلى الولايات المتحدة منذ ثلاثة أشهر للموافقة على الوزراء المستقلين وأرسلت إليهم 60 اسمًا لم توافق أميركا عليهم».
ويضيف: «في الآونة الأخيرة أرسلت الولايات المتحدة إلى عباس عدة عراقيل أهمها: عدم المصالحة مع حماس، الأمر الثاني: أن يعيد التفاوض مع الجانب الإسرائيلي فورًا، الثالث: أن لا يذهب إلى الأمم المتحدة لنيل العضوية وإلا سيكون هناك معاقبة للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية بمنع أموال الدول المانحة للسلطة الفلسطينية».
ويرى مدير مركز الدراسات الفلسطينية أن الرئيس عباس لا يريد المصالحة مع حركة «حماس» ويلقي المسؤولية عليها خاصة بعد اللقاء الذي عقده معه الرئيس المنتخب محمد مرسي وعلم بأن الرئيس عباس لن يتم المصالحة في هذا التوقيت بحجة أن هناك ضغوطًا إسرائيلية - أميركية.
ثلاثة سيناريوهات
ويقول إن هناك ثلاثة سيناريوهات للأزمة: «الأول إما أن يتوافق الرئيس عباس ويتماشى للاستفادة من حالة الثورات العربية لحل القضية الفلسطينية، وذلك بعد أن أعلن الرئيس المصري محمد مرسي أن لديه ثلاث إستراتيجيات لحل القضية الفلسطينية الأولى: إقامة الدولة الفلسطينية كما يراها الفلسطينيون، الثانية: المصالحة الفلسطينية، الثالثة: رفع الحصار وإعادة إعمار قطاع غزة». ومن ثم الرئيس عباس لو انحاز لهذا المشروع العربي - المصري بما يتماشى مع الربيع العربي، سيكون هناك مأزق للرئيس عباس من جانب إسرائيل والولايات المتحدة وسيتعرض عباس إلى ما تعرض له أبو عمار -رحمة الله عليه- من الاغتيالات.
السيناريو الثاني: أن ينحاز إلى الإسرائيليين والأميركيين ومن ثم سيعدم الرئيس عباس شعبيًا وعربيًا ودوليًا، ومن ثم سيكتب أنه تعامل مع القضية الفلسطينية لمصلحة الأميركيين والإسرائيليين.
ويرجح الدراوي السيناريو الثالث واصفا إياه بالأهم، وهو أن يقوم عباس بحل السلطة الفلسطينية ويذهب إلى القاهرة أو قطر أو أي دولة عربية ويعلن حل السلطة من الخارج، ومن ثم يحمل إسرائيل وأميركا مسؤولية التعسف تجاه القرار الفلسطيني، ومن ثم سيحمل إسرائيل وأمريكا والمجتمع الدولي مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني.
اختزال
يرد السفير الفلسطيني في مصر ومندوبها لدى جامعة الدول العربية بركات الفرا ما يقال بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يختزل الأزمة في أن «حماس» وافقت على اتفاق الدوحة واتفاقية 4 مايو 2011، وأن المعضلة الأساسية في عدم السماح للجنة الانتخابات من العمل في غزة، بالقول إن «المشكلة ليست في لجنة الانتخابات لأنها لم تنهِ عملها في الضفة ولو نظرت إلى ما تم التوافق عليه، فالحكومة المنتظرة التي يشكلها عباس تأتي لثلاث مهام وهي: إجراء الانتخابات وتنقيح الكشوف، إعادة إعمار غزة، تنسيق الأجهزة الأمنية بين الضفة وغزة، موضحًا أنه لا يمكن أن تختزل كل ذلك في لجنة الانتخابات وكشوفها في غزة، معتبرًا أن هذه الأزمة حجة من لا يريد إتمام المصالحة الفلسطينية».
