من بين أبرز الروايات ذائعة الصيت التي تناقلها سوريون إثر مرورهم على الحاجز المرابط على أتوستراد دمشق - حلب المجاور لبلدة قطيفة في ريف دمشق هو اعتقال قوات النظام لمجموعة جنود من الطائفة السنية بذريعة «الفرار المسلح» من صفوف الجيش النظامي، رغم أنهم كانوا يملكون بحوزتهم وثائق الإجازة التي تحميهم من أية مساءلة. تعرض الجنود السبعة إلى الضرب بالأسلاك المعدنية وحرق كل بقعة من أجسادهم بالسجائر، وانتقال العملية إلى إطفاء تلك السجائر في عيون الجنود المقيدين وسط رعب سيطر على المارة.
أبو صالح واحد من المسافرين شاهد القصة بمحض الصدفة أثناء مروره على الحاجز، حيث يكشف تفاصيل الرواية: «كان الشبيحة يتلذذون بالأكل على مائدة الطعام ويستمتعون في آن معاً بالآهات التي تخرج من أفواه الجنود لشدة التعذيب».
ويردف أبو صالح : «قبل ان يلفظ الجنود أنفاسهم الأخيرة أمر الضابط المشرف بإعدامهم ميدانياً مع إطلاق شتائم طائفية موجهة للطائفة السنية كون غالبية أبنائها ثارت ضد نظام الحكم».
استنفار الأقليات
تزامن هذا المشهد مع توقيت إطلاق النفير العام الصادر من القوات المسلحة السورية تحث أبناء الأقليات على الالتحاق بصفوف الجيش، وذلك من مواليد 1980 وما فوق. هذا النداء فسر من قبل المراقبين على أنه إشارة واضحة لتطييف هيكلية القوات المسلحة السورية وقطع الصلة نهائياً مع الطائفة السنية، ونعتهم بـ«الأعداء» و«الإرهابيين».
تعويض الفراغ
ولإعادة ترتيب هيكلية الجيش النظامي، كثفت دوريات قوات الأمن العسكري نشاطاتها على الطرقات الرئيسية لتعقب أبناء الأقليات المراد سوقهم إلى الجيش، هذا الإجراء نفذ في البداية على مدينة القاملشي الواقعة في الشمال الشرقي البلاد ذات الأغلبية الكردية، حيث شهدت المنطقة تمرداً ضد قوات النظام خلال الأسابيع الماضية إثر اعتقال مجموعة من الشباب الكرد، وبهذا الصدد يقول وليد شيخو العضو في المجلس الوطني الكردي لـ«البيان»: «أكثر من 2000 شاب كوردي تم اعتقالهم من قبل الأمن والشرطة العسكرية بغية سوقهم إلى الخدمة العسكرية الإلزامية بعد أن شكلت انشقاقات الضباط والجنود من الجيش الأسد فراغاً في الكثير من المناطق العسكرية». ويقول شيخو :«علينا التحرك لوقف سرقة شبابنا بغية إحراقهم في معارك النظام الديكتاتوري ضد شعبنا، لا نريد أن يكون شبابنا وقوداً لحرب الأسد ضد الشعب السوري». ويفند مزاعم النظام بدعم الأقليات له، بل يفضل الموت على بقاء النظام، قائلاً : «إن كان للموت بد فيجب أن يكون في سبيل حرية شعبنا وليس لإنقاذ هذا النظام الزائل».
إجراء تعسفي
وكانت لقراءة حيثيات قرار استدعاء جنود أبناء الأقليات إلى الصفوف الجيش تفسير آخر لدى الطائفة المسيحية، تتمثل في تأليب المكونات الاجتماعية والدينية ضد بعضها البعض، ذلك خلال زج أبناء الأقليات في الأماكن الساخنة، فيصف العضو في الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان، مهران الآشوري، هذا الإجراء تعسفي بحق المسيحيين، مؤكداً : «جيش النظام أقام حواجز عسكرية متنقلة في مدن محافظة الحسكة وغيرها من المدن السورية للتدقيق في أعمار المواطنين، حيث يقوم باعتقال كل من هو ضمن السن المطلوب إلى الخدمة العسكرية وسوقه الى الخدمة في الوحدات المقاتلة». وحسب المعطيات الميدانية فإن عدداً كبيراً من المجندين المسيحيين قتلوا في الآونة الأخيرة ، ومعظمهم من المواطنين الذين ينتمون الى الطبقات الفقيرة في المجتمع السوري كون الطبقة الميسورة إما دفعت البدل للخدمة العسكرية أو هربت إلى الخارج. ويعزو مهران أسباب مقتل مجندين مسيحيين إلى «حملة إعدامات ميدانية للجنود الذين رفضوا المشاركة في العمليات العسكرية، وإطلاق النار على المدنيين». ويضيف مهران: «على النظام أن يدرك جيداً أن أبناء الأقليات ليسوا ملكاً لعائلة الأسد يتصرف بهم كما يشاء وأينما يشاء».
تواري العلويين
صدى هذا النفير وصل إلى أبناء الطائفة العلوية الذين يتهربون من الخدمة تفادياً للعودة في توابيت. وحسب معلومات من النشطاء العلويين الداعمين للثورة فإن الكثير من شبابهم توجهوا صوب القرى والمناطق الجبلية للتواري عن أنظار قوات الأمن خشية اقتيادهم إلى الخدمة العسكرية، والزج بهم في النقاط الأمامية.
ويقول عامر 23 عاماً متخلف عن الجيش: «النظام لا يفرق بين الطوائف السورية، يظن أن أبناء الأقليات يعاونونه فعلاً، قوات النظام والمنتفعين حول السلطة هم يحاربون لوحدهم في الجبهات القتال، لا أحد من الطائفة العلوية يريد رؤية الدماء، لاسيما أننا نستقبل رفات شبابنا الذين في الجيش النظامي يومياً، نرفض تسليم أنفسنا بعد الآن إلى الجيش، لأن الموت ينتظرنا».
خلق شقاق
يقول نشطاء من الطائفة الدرزية إن من بين الأساليب المتبعة لشحن العصبية لدى أبناء الطائفة الدرزية وجرهم إلى صفوف الجيش هو محاولات النظام زرع الفتنة الطائفية بين سكان المدن والبلدات المتجاورة «درعا- السويداء» عبر قصف إحداها من أراضي الأخرى، واتهام الجيش السوري الحر بالوقوف وراء القصف.