دخل لبنان، منذ يوم أمس، في هدنة سياسية تستمر حتى نهاية الأسبوع الجاري، بسبب زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان اليوم، بعد أن عُلقت جميع التحرّكات المطلبية، على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلى ما بعد انتهاء الزيارة التاريخية التي تمتد على مدى ثلاثة أيام. وعشية وصول البابا الى لبنان، اكتملت التحضيرات الرسمية والشعبية لاستقباله، وسط أجواء داخلية ملائمة نسبياً، عكستها، من جهة، التطورات الإيجابية في ملف المخطوفين، ومن جهة أخرى، «الرقابة الذاتية» التي قرّرت القوى السياسية أن تمارسها لتمرير الزيارة، بأقل قدر ممكن من التوتر الداخلي. وعلى التوقيت البابوي، ضبطت الحكومة ساعتها، وعقدت آخر جلساتها قبل المحطة التاريخية بأجواء مغايرة تماماً، طغى عليها الهدوء والمزاح الذي تمحور بشكل كبير حول زيارة سفيرة النوايا الحسنة للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين انجيلينا جولي إلى لبنان.
استنفار أمني
ووفق المعلومات، دخلت التداعيات السلبية التي تركتها ردود الفعل في العالم الإسلامي، على الفيلم الأميركي الذي اعتبر مسّاً بالدين الإسلامي ومعتقداته ومشاعر المسلمين في العالم، على خطّ الترتيبات الأمنية التي ستواكب زيارة البابا،
وزادت من حدّة الاستنفار الأمني المعلن في صفوف القوى الأمنية والعسكرية الموكلة حماية الزيارة وجولات البابا، الشبابية والشعبية والرسمية، بما فيها القدّاس الذي سيقيمه قبل ظهر الأحد المقبل في وسط بيروت. علماً أن الفاتيكان كان دان الإهانات والاستفزازات لمشاعر المسلمين، وكذلك أعمال العنف الناتجة عنها.
حدث استثنائي
ووسط هذه الاستعدادات، بدا لبنان على مشارف حدث استثنائي بكل المعايير، نظراً الى الأهمية الكبيرة التي يكتسبها اختيار البابا لبنان تحديداً مكاناً لإعلان الارشاد الرسولي من أجل الشرق الأوسط، في غمرة التحولات الضخمة التي تشهدها المنطقة، الأمر الذي أعاد تسليط الأضواء الدبلوماسية والإعلامية الدولية على الواقع اللبناني في هذه المرحلة المصيرية. وقد عبّر البابا بينديكتوس السادس عشر نفسه عن هذا البعد بتوجيهه، أول من أمس، نداءً من أجل «السلام المرغوب جداً» في الشرق الأوسط في نطاق احترام الاختلافات المشروعة، مشيراً الى أن زيارته الى لبنان ستتيح له الالتقاء بعديد من مكونات المجتمع اللبناني، من مسؤولين سياسيين ودينيين ومؤمنين من مختلف الطوائف. كما حض كل مسيحيّي الشرق الأوسط، أكانوا من شعوب المنطقة أو من الواصلين الجدد، على أن يكونوا بناة سلام، وفاعلي مصالحة.
حراك سياسي
وعشية الهدنة، كان الحراك السياسي في منطقة مختلفة، بدأت في تركيا أول من أمس، مع تسليم المخطوف توفان تيكين لذويه، وانعكست إيجاباً في ملف المخطوفين اللبنانيين العشرة. والمعلومات القليلة التي تسرّبت بين أنقرة وبيروت أشارت الى أن حلّ قضية المخطوفين وضِع على نار حامية، وأن المحادثات التي أجراها وزير الداخلية مروان شربل في تركيا كانت مفيدة وبنّاءة جداً. وعليه، فإن أسئلة كثيرة طرِحت، ومنها: هل يتمّ تحرير المخطوفين على دفعة واحدة أو على دفعات؟ متى ستتمّ العملية، هل قبل زيارة البابا للبنان أو بعدها؟ وماذا عن مصير حسان المقداد، وهل صارت قضيته مرتبطة بشكل أو بآخر بقضية المخطوفين الـ10 في سوريا أم أنها لا تزال تبحث بمفردها لأنها تشكل حالة خاصة؟. وبالانتظار، فإن حركة الاتصالات الكثيفة أوحت بحلّ قريب لهذا الملف الشائك.
انتقاد حزب
في الوقت الذي كانت فيه قضية الوزير السابق ميشال سماحة تستأثر بالحدث السياسي، بفعل التطورات المستجدة على هذا الملف، وآخرها كشف «فرع المعلومات» عن امتلاكه تسجيلاً بين اللواء جميّل السيّد والوزير السابق ميشيل سماحة أثناء انتقالهما من دمشق إلى بيروت، فإن اللقاء الأول للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، مساء أول من أمس في باريس، شكّل مناسبة لتكرار باريس تشديدها على المحافظة على الاستقرار في لبنان، بينما تميّزت مواقف الحريري بانتقاد حادّ لما أسماه تورّط حزب الله في الأزمة السورية الى جانب النظام، ورأى أن «على حزب الله أن يرتدع عما يفعله، من إرسال سلاح ومقاتلين الى سوريا، وشدّد على أن قتل الشعب السوري هو جريمة»، معلناً أنه ضد سياسة النأي بالنفس. وكان الحريري خصّ، قبيل لقائه هولاند، الصحيفة الفرنسية «لوموند» بحديث مطوّل، أكد فيه أنه سيعود الى لبنان وسيفوز بالانتخابات النيابية المقبلة، شرط «ألا تكون هذه الانتخابات مزوّرة»، مشيراً الى أن من يراهن على انتهاء مسيرته السياسية «خاطئ»، والى أن النظام السوري «سيسقط»، ومشدداً على أن لا حرب أهلية في لبنان.