الهجوم المفاجئ على مبنى القنصلية الأميركية في بنغازي وسقوط أربع دبلوماسيين أميركيين منهم السفير لدى ليبيا، نزل كالصاعقة على واشنطن. وبالذات على إدارة أوباما. وزاد من ثقله، توقيته. فتح على الرئيس أزمة خارجية خطيرة، عشية الانتخابات. وهو المستقوي في حملته بورقة السياسة الخارجية، من باب أنه حقق نجاحات مهمة، وفق المقاييس الأميركية، في مجالها. أو على الأقل بالمقارنة مع سلفه بوش. وإذ يأتيه التحدّي من الدولة بل من المدينة التي تقول إدارته أنها كانت وراء انقاذها.
التقديرات الأميركية الأولية تتقاطع بمعظمها عند الاعتقاد بأن العملية كانت مخططة مسبقا، فالانقضاض الكاسر والخاطف على المكان، من الصعب أن يكون ابن ساعته. كذلك وقوعه يوم الذكرى 11 لهجمات 11/9 ليس صدفة، كما يرى المراقبون. يضيفون إلى ذلك، أن تزامنه مع محاولة اقتحام السفارة الأميركية في القاهرة؛ يشير إذا لم يكن إلى وحدة الجهة فعلى الأقل إلى التنسيق بين الفاعلين المنتمين إلى خندق واحد. وزاد من الإحراج أن السفارة الأميركية في القاهرة تعاملت هي الأخرى مع التظاهرة التي استهدفتها، بصورة ضاعت معها مرجعية القرار فيها. فبدا وكأن هناك «قصور وخلل في إدارة السلك الدبلوماسي الأميركي»، على ما قاله محلل مخضرم.
ضئيل خبرة
لكن من حسن حظ أوباما أن خصمه رومني ضئيل الخبرة في الشؤون الخارجية. فقد سارع هذا الأخير ومنذ اللحظات الأولى لحادثة ليبيا وقبل اتضاح ظروفها، إلى شنّ غارة هجومية على الرئيس بزعم أنه رخو واعتذاري مع الخارج ويساوم على القيم الأميركية. هفوة لامه عليها حتى بعض الجمهوريين. كان يجب عليه حسب التقاليد، الانتظار والتضامن مع الإدارة في لحظة من هذا النوع. بيد أن تسرّع رومني كشف ليس فقط فقر مؤهلاته للتعامل مع أزمة من هذا النوع، بل أيضاً ما بدا أنه أشبه بالتواطؤ مع نتانياهو لانتزاع الورقة الخارجية من يد اوباما.
خط أحمر
وقبل يوم كان الخلاف قد انفجر في العلن بين أوباما ونتانياهو بشأن طلب هذا الأخير من البيت الأبيض تحديد «خط أحمر» للنووي الإيراني؛ بحيث يصير تجاوزه مبرراً لعملية عسكرية ضد طهران. عملياً، إلزام واشنطن في هذه الحال؛ بالضربة. ردت الإدارة بالرفض العلني. وزاد من السخونة، بيان للسفارة الإسرائيلية بواشنطن جاء فيه أن البيت الأبيض رفض طلباً لرئيس الحكومة الإسرائيلية بتحديد لقاء له مع الرئيس أوباما على هامش افتتاح الدورة العادية للأمم المتحدة في نيويورك؛ أواخر هذا الشهر. أوضحت الإدارة أنها لم ترفض بل أبلغت تل أبيب ومنذ فترة بتعذر عقد مثل هذا اللقاء «لأن برنامج الرئيس لا يسمح به». (الاعتقاد في واشنطن أن الرئيس لا يريد اللقاء). نتانياهو العارف مسبقاً أن واشنطن ليست في وارد الخيار العسكري، على الأقل الآن. تتمسك بالعقوبات والضغوط والتفاوض، من زاوية أن المشروع الإيراني ما زال على مسافة من القنبلة. كما سبق وتبلّغ نتانياهو بتعذر الاجتماع بالرئيس. مع ذلك عاد إلى طرح الموضوعين وبصيغة تثير ضجّة وتضع أوباما في موقع المضاد لإسرائيل. مرة أخرى سارع رومني إلى التقاط ما حسبها فرصة انتخابية، زاعماً أن الإدارة «تعمل على إضعاف إسرائيل!». نهج أوبامي
نبرة نتانياهو التي تسلطت عليها الأضواء بشكل بارز، أثارت حالة من الاستياء، عبّرت عنه بعض الجهات مثل جريدة «نيويورك تايمز»، بالصوت العالي. كما رفع المخاوف الهامسة لبعض اليهود، الذين يتسألون بقلق عن مدى الضرر الذي قد تتسبب به استفزازات نتانياهو، على صورة إسرائيل في أميركا. وازداد التأفف هذه المرة لأن لغة التراشق المكشوف التي اعتمدها رئيس الليكود، تفوح منها رائحة التدخل في انتخابات الرئاسة لصالح رومني. تهوّر وشح خبرة هذا الأخير، ساهم بكشف هذا البعد في حملة نتانياهو. لكن حادثة بنغازي حجبت كل ما عداها وطغت على سيرة الخلاف، الذي قال البيت الأبيض أنه لم يعد موجوداً وذلك بعد مكالمة هاتفية استمرت ساعة أجراها الرئيس مع نتانياهو. نفس النهج الأوبامي: يقتحم ثم يتراجع.