يتجه المشهد التونسي إلى المزيد من التأزم في ظل حالة من الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي لم تعرفها البلاد من قبل. ولا يخفي التونسيون خشيتهم من الأيام المقبلة، خصوصاً مع ظهور مؤشرات «خريف عاصف» سيبلغ ذروته يوم 23 أكتوبر المقبل، وهو تاريخ انتهاء الشرعية القانونية والأخلاقية والدستورية للمجلس الوطني التأسيسي والحكومة.

ويرى خبراء أنه في حين تحاول حركة النهضة الإسلامية الحاكمة الهيمنة المطلقة على مفاصل الدولة، انسجاماً مع المشروع الإقليمي السائد حالياً، والمدعوم من قبل قوى دولية تسعى إلى وضع الحركات الإسلامية على قمة هرم السلطة في عدد من الأقطار العربية، ومن بينها تونس، بدأت ميليشيات الحركة تتحرك في الشارع للتغطية على تراجع شعبية «النهضة» بين التونسيين، ولمنع الأحزاب السياسية من التواصل مع قواعدها، مثلما حدث بمدينة تستور من ولاية باجة، عندما أقدم العشرات من أتباع الحركة الحاكمة بمحاصرة أنصار «نداء تونس» الذين كانوا بصدد افتتاح مكتب لحركتهم في المدينة، والاعتداء عليهم.

وكذلك، في صفاقس عندما تعرض اجتماع نسائي لمكتب الحركة في المدينة إلى الهجوم واستعمال العنف المادي واللفظي ضد النساء الحاضرات، ما دفع بالقيادي في حركة نداء تونس محسن مرزوق إلى الإعلان عن الاستعداد لتكوين «ميليشيات مدنية» قادرة على حماية مسؤولي وأنصار وأنشطة نداء تونس من الاعتداءات المتكررة التي تقوم بها الجماعات المحسوبة على الحركة الإسلامية الحاكمة.

تخريب الأضرحة

في خضم ذلك، بدأت تونس تشهد بوادر تحركات للجماعات السلفية لهدم وتخريب الأضرحة على غرار ما حدث في ليبيا مؤخراً، الأمر الذي يزيد من تأزم الوضع الاجتماعي، في بلد تتعرض خصوصياته الثقافية والحضارية إلى الانتهاك اليومي من قبل جماعات سلفية، قال نائب رئيس حركة النهضة عبد الفتاح مورو إنها تتلقى الدعم والتعليمات من أطراف خارجية.

انتهاكات حقوقية

وفي مجال انتهاك حقوق الإنسان، شهدت تونس خلال أسبوع واحد الإعلان عن تعرض فتاة إلى الاغتصاب من قبل رجال أمن في إحدى ضواحي العاصمة، كما تعرض عبدالرؤوف الخماسي إلى التعنيف من قبل رجال أمن، ما أدى إلى وفاته بعد تعرضه إلى ارتجاج في المخ.

وذكرت رئيسة الجمعية التونسية لمناهضة التعذيب المحامية راضية النصراوي أن الخماسي الذي توفي اثر عملية إيقاف أمنية «ضرب بوحشية» ما أدى إلى وفاته.

وفي روايتها لأطوار إيقاف الخماسي وأسباب وفاته، قالت النصراوي إن «عبدالرؤوف الخماسي، المصاب بالسرطان، أوقف بطريقة غير قانونية وغير إنسانية في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة، بينما كان يرافق زوجته المصابة بالسرطان بدورها، وتم اقتياده إلى مركز الأمن في سيدي حسين ووقع ضربه بوحشية كبيرة خلفت له إصابة بليغة في الرأس تسببت له في فقدان الوعي، نقل على إثرها إلى المستشفى ليبقى في حالة فقدان للوعي عدة أيام، قبل أن يتوفى متأثراً بإصابته». وذكرت أنها طلبت من وزير الداخلية في مناسبتين اجراء مقابلة معه للحديث في «الانتهاكات الأمنية»، الا انها لم تتلق رداً، وهو ما اعتبرته مؤشراً غير إيجابي و«لا يبشر بخير»، حسب تعبيرها. وبحسب الكثيرين، تكشف عمليتا الاغتصاب والتعنيف حتى الموت «الانتهاك الأمني» لحرمة الجسد التونسي، ما يشير إلى أن الحكومة لم تسع إلى تفادي ما كانت تتهم به نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي من ممارسات أمنية استبدادية متناقضة مع مبادئ الحريات الأساسية وحقوق الإنسان.