لم يكن مستغرباً إصدار الحكم بالإعدام، غيابيا، على نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي رغم أنه لا يزال يشغل منصب نائب الرئيس ولم يصدر أي قرار أو مرسوم جمهوري بإعفائه من منصبه، كما لم يصدر أي موقف من مجلس النواب الذي منحه الثقة لشغل هذا المنصب، ففي العراق «يمكن ما لا يمكن»، إلا أن مجيء هذا القرار «القضائي السياسي»، في وقت ينادي التحالف الوطني بالإصلاح يكشف عدم الجدية في هذا التوجه، لاسيما وإن الهاشمي حقق نتائج متقدمة في انتخابات مارس 2010 بعد نوري المالكي وأياد علاوي وأسامة النجيفي.
قرار الحكم بالإعدام على الهاشمي أحيط بملابسات معقدة، واتهامات بانتزاع اعترافات من الشهود بالقوة، إلى جانب السماح له بمغادرة بغداد إلى السليمانية، ومن ثم الإعلان إعلاميا عن إصدار أمر بإلقاء القبض عليه، وكان من المفترض انتظار عودته إلى بغداد واستدعاؤه للمثول أمام هيئة تحقيقية تتناسب مع مركزه كنائب لرئيس الجمهورية، ومن هنا يستنتج بعض المراقبين أن «الحكومة أعطت إشارة إلى الهاشمي بعدم العودة إلى بغداد، ليأتي قرار الحكم استكمالا لعدم السماح له بالعودة، وإلا يكون مصيره الموت».
قرار سياسي
ومن خلال هذه الملابسات، يرى المراقبون، أن« إصدار قرار الحكم يدخل ضمن قرار سياسي بإقصاء نائب رئيس الجمهورية، القيادي في القائمة العراقية، والإبقاء على النائب الآخر، الذي تم فرضه من قبل حزب الدعوة، وكان النائب الآخر، عن التحالف الوطني، عادل عبد المهدي، اعتذر عن تسلم منصبه، بعد موافقة البرلمان عليه، وفي هذه الحالة، لم يبق للرئيس المريض جلال طالباني، سوى نائب واحد، هو خضير الخزاعي، المسؤول حاليا عن الموافقة على تنفيذ أحكام الإعدام، والذي سيتولى مهام رئيس الجمهورية في حال غيابه، وسيكون عمله تحت إشراف رئيس حزبه، رئيس الوزراء نوري المالكي». هذه العملية، يراها المراقبون، محاولة من قبل حزب الدعوة للسيطرة على كل مفاصل الحكم، وصولا إلى رئاسة الجمهورية.
نواب الرئيس
وكان يفترض أن يكون لرئيس الجمهورية «الكردي» نائبان: واحد عن القائمة العراقية وآخر التحالف الوطني، وتم الاتفاق بين الكتل السياسية على طارق الهاشمي وعادل عبدالمهدي، إلا أن حزب الدعوة الحاكم أصر على أن يكون هناك نائب ثالث منه هو خضير الخزاعي الذي لا يحظى بموافقة البرلمان «لسوء إدارته عندما كان وزيرا للتربية» واتهامه بإطلاق النار على الطلبة أثناء تأديتهم الامتحانات النهائية بسبب احتجاجهم على انعدام الخدمات والأجواء التي تمكنهم من أداء امتحاناتهم.
وبعد مناورات ومداورات، في البرلمان، تم «تسريب» الخزاعي إلى مجلس رئاسة الجمهورية، بعد رفض ائتلاف دولة القانون التصويت الانفرادي على نواب الرئيس، وفرض التصويت على الثلاثة في سلة واحد، ما أدى إلى استقالة ممثل التحالف الوطني عادل عبد المهدي اعتراضا على زيادة عدد نواب الرئيس وعدم إيجاد بديل عنه، ومن ثم كان يفترض التخلص من النائب الآخر طارق الهاشمي، لينفرد الخزاعي بمنصب نائب الرئيس والذي يحل محله في حال غيابه بلا منافس، وهذا ما سيدخل البلاد في أزمة جديدة، لأن منصب نائب رئيس الجمهورية، حسب سياسة «التوافق» في العراق، يفترض أن يكون للقائمة العراقية، وآخر من التحالف الوطني.
تفرد دولة القانون
ويرى المحللون السياسيون أن تفرد ائتلاف دولة القانون بالحكم ومفاصله الرئيسية سيكون سببا مضافاً لتفاقم الأزمة الأمنية - الطائفية، إضافة إلى أنه يأتي بشكل معاكس تماما لما يفترض أن تتبناه ورقة «الإصلاح السياسي»، التي يعدّها التحالف الوطني، والتي تركز على تحقيق التوازن والتوافق الوطني، لاسيما بالنظر إلى مكانة الهاشمي السياسية والاجتماعية، وكونه يمثل شريحة كبرى في المجتمع العراقي.
وأعلنت الكتلة العراقية بزعامة أياد علاوي، أن صدور قرار من المحكمة الاتحادية العراقية بالإعدام غيابياً على الهاشمي كان «مسيّساً وتحريفا للعدالة».
