يلمس مراقبون ومحللون سياسيون تخبطاً واضحاً يشوبه القلق والترقب في موقف العراق من الأحداث في سوريا، يتجسد في تناقضات بين موقف الخارجية العراقية والحكومة، ما يسهم في صياغة علاقة غير واضحة بين البلدين في المستقبل سواء رحل نظام الرئيس بشار الأسد أم بقي.
ويستعيد الكاتب والأكاديمي محمد عاكف جمال في محاولته قراءة مستقبل العلاقة بين البلدين تاريخاً من العلاقات المتوترة بين دمشق وبغداد، مشيراً إلى أن العلاقة «لم تكن جيدة إلا في فترات قليلة من عمر الدولتين، والعلاقة بينهما في حقبة ما بعد الأسد لن تكون استثناء من ذلك».
وينظر جمال، بحسب شبكة «آكانيوز»، إلى مستقبل العلاقة بين الدولتين عبر «تغير الكثير من معادلات التوازن في المنطقة، والتي ستنعكس تداعياتها بالدرجة الأولى على لبنان وإيران ثم على العراق»، معرباً عن توقعه بعدم وصول «إسلاميين راديكاليين إلى الحكم في سوريا، لأن معارضة سوريا بشقيها المدني والعسكري لن تجد في الحاضنة التي رعتها وترعاها، وهي تركيا والدول العربية والغرب، ما يسمح بصعود راديكاليين، وهذا ما يقلق بغداد أكثر من صعود الراديكاليين».
توترات واتهامات
وتبدي نخب سياسية عراقية، عبر تصريحات لوسائل الإعلام، مخاوف من امتداد الوضع الأمني المتدهور إلى داخل العراق وحصول تواصل جغرافي ولوجستي بين الجماعات المتطرفة بين البلدين. إلا أن الكاتب طريف الخياط يتوقع أن تشهد مرحلة ما بعد الأسد «حكومة مستقرة سياسياً وسيادياً لأعوام مقبلة، حيث من المستبعد أن تصل جماعات إسلامية متطرفة إلى الحكم على الرغم من أنها ستظل فاعلة على الأرض». ويقر الخياط بأنه «من الصعوبة بمكان تقدير حجم فعالية تلك الجماعات، أما الإسلام السياسي السني المعتدل فإنه سيشارك بقوة في المرحلة الانتقالية وما بعدها»، مضيفاً أن العلاقات بين دمشق وبغداد «لن تتفاعل بمنأى عن مواقف حكومة نوري المالكي أثناء الثورة السورية»، ومتوقعاً «توترات واتهامات متبادلة بدعم الإرهابيين في كلا الدولتين».
بدوره، يحلل رئيس تحرير صحيفة «راية الموصل» عبدالغني علي يحيى احتمالات مخاوف عراقية جدية من استيلاء عناصر معادية للعراق على مقاليد السلطة في سوريا، معرجاً على ماضي العلاقات بين الدولتين.
ويقول يحيى إنه «لا مناص لنا من التفاتة إلى ماضي العلاقات بين الدولتين، بدءاً من العهد الملكي وانتهاء بالعهد الحالي». واستطرد القول إن «الذي لا يخفى على أحد أن العلاقات بينهما تميزت على طول الخط بالتوتر والجفاء والخصومة تخللتها فترات ضيقة سادها تطبيع أقرب ما يكون إلى الهدنة منه إلى التطبيع بالمعنى الحقيقي للكلمة».
أبغض الحلال
ويضيف إن «العلاقة الحالية والطارئة المفروضة على الحكومتين العراقية والسورية من جانب إيران هي بمنزلة أبغض الحلال لكلتا الحكومتين، فيما المخاوف العراقية لا تزال جدية من احتمال سيطرة عناصر راديكالية معادية للنظام في العراق على زمام الأمور في سوريا».
ويحمل علي يحيى النظام العراقي «مسؤولية التوتر المرتقب بينه وبين النظام الذي سيحل محل نظام الأسد في المستقبل بعد أن وضع العراق نفسه، خلافاً لجميع الدول العربية، في خندق الدفاع عن النظام السوري وضد إرادة الأكثرية الساحقة من الشعب السوري». ويذهب علي يحيى في آرائه إلى ما يعتقده البعض من أن «نظاماً سنياً قادماً سيقف موقف الند لنفوذ شيعي في العراق»، فيقول: «هذه الرؤية صحيحة، والخصومة بين البلدين ستقوى وتشتد في المستقبل، وذلك في أجواء الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة». ويتابع: «في ظل هذه الأجواء وتحكم القوى الإقليمية الطائفية ويدها الطولى في توجيه سياسة البلدين وإدارة الصراعات، حتى لو أسقط النظام القائم في العراق أيضاً، فإن العلاقات لن تتحسن بين الجارين للأسباب ذاتها».
عقلانية وتطبيع
من جهته، يبحث الكاتب والباحث والأكاديمي العراقي رشيد الخيون عن «عقلانية لدى السياسة العراقية يمكنها استغلال الظرف، بحيث لا تبقى رهينة للعلاقات السابقة أو ما تمليه إيران عليها»، مشيراً إلى أن «التطبيع مع سوريا يعني تأمين 700 كيلومتر تقريباً من مسافة الحدود مع الدول المجاورة».