إن المتتبع لمجريات الأحداث في تونس من بعد ثورة الياسمين التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي سرعان ما يلاحظ اشتداد الصراعات على السلطة بين النخب السياسية ما أدى إلى شعور التونسيين بالخوف من المستقبل الذي يروه مجهولاً، فالمشهد يهيمن عليه الضباب.. وما زاد هذه المخاوف هو تصريحات الرئيس التونسي المنصف المرزوقي التي انتقد فيها الثورة وتحدث عن مساوئها.. في حين ظهرت موجة جديدة لم تشهدها تونس من قبل وهي الحركات الجهادية.
لقد تحوّلت تونس الوادعة إلى بلد مرهق لأعصاب أهله البسطاء وهم يلاحقون الأخبار اليومية عن تحركات المتطرفين السلفيين وقمع قوات الأمن للمحتجين واتساع دائرة الجريمة وتراجع مستوى الخدمات العامة وارتفاع الأسعار إضافة إلى انتشار ظاهرة «الإرهاب الإعلامي» من خلال مؤسسات خفية تشغّل مئات المتخصصين في السب والشتيمة وانتهاك الأعراض ضد كل من يتحرّك في الشأن العام سواء كان يساريا أو يمينيا أو إسلاميا أو علمانيا ، من العهد السابق أو من العهد الحالي ، إضافة إلى ما تعتبره الدولة محاولة تفكيك الدولة وإعادة تشكيلها برؤى مستوردة تتجاوز خصوصيات المجتمع المحلي التي ترسخت منذ قرون.
وفي الوقت الذي عاد فيه البوليس السياسي إلى مراقبة تحركات الشارع ، أكد ناشطون حقوقيون عودة التنصّت على المكالمات الهاتفية، وبروز ظاهرة الميليشيات التابعة لحركة النهضة الإسلامية، كما شهد المجتمع انقسامات حادة بين أغلبية خائفة على مكاسب الدولة الحديثة وما حققته لأكثر من 50 عاماً، وأقلية تحاول ترسيخ نموذج مجتمعي غريب عن الواقع التونسي.
في هذا الصدد، يرى التونسيون أن ما حدث في البلاد هو تغيير الوجوه في سدة الحكم في حين أن العقليات لم تتغير ، الأمر الذي يفسّره تواصل الفساد المالي والإداري ولكن بشكل تجاوز ما كان عليه في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
فشل حتمي
بدوره، قال الرئيس المنصف المرزوقي في رسالة وجهها خلال الجلسة الافتتاحية لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية: «كأنّ الثورة حرّرت أحسن ما بداخلنا وأيضا أسوأ ما في نفوسنا.... بمثل العقلية والتصرفات السلبية التي تبلورت بعد رفع غطاء القمع، نحن نتجه نحو فشل حتمي للثورة ولن نستطيع اتهام أحد غيرنا، لذلك آن الأوان لهبّة ضمير تعيد الأمور لنصابها، إن ثورة لا تغيّر العقول والقلوب في الاتجاه الأرقى ليست إلا مجرّد تغيير سطحي ومهدّد بالانتكاس، المطلوب منّا ليس فقط بناء القوانين العادلة الضامنة للحريات والشفافية والمؤسسات الديمقراطية وإنما أيضا اعتماد سلوكيات تنبع من أحسن ما في تراثنا العربي الإسلامي ومن قيم حقوق الإنسان». محذراً من تفجر الأوضاع إن استمر الوضع على ما هو عليه.
وأضاف المرزوقي، في نقد غير مسبوق لأداء الحكام الجدد والوضع الاجتماعي: «للأسف فوجئنا كلنا بتفجّر مواقف وسلوكيات غريبة من تواكل واستقالة وفساد وانتهازية ورفض للعمل الشريف إذا لم يتوفّر على المطلوب من السهولة ومن السيولة ...كم فوجئنا أيضا بانفجار الجهوية وتحرك النعرات القبلية التي خلناها اختفت من مجتمعنا».
دعوات جهادية
تزايدت خلال الفترة الأخيرة دعوات الجهاد وعمليات تجنيد واسعة للشباب التونسي خصوصا وأن الحكومة الحالية تسعى إلى إرجاع إرهابيين تونسيين شاركوا في حروب أفغانستان والعراق واليمن والصومال وغيرها. و كان لإطلاق سراح سلفيين تورطوا في أعمال عنف دور كبير في زرع بذر الخوف في نفوس التونسيين ، حيث يعتقد مراقبون وجود أياد خفية خارجية تسعى إلى توحيد أهداف الجماعات السلفية وتنظيم الأخوان المسلمين.
