يرى مسؤولون في حزبي الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني أن الخلاف بينهما بشأن العديد من الأمور التي تخص الشأن الكردي الداخلي والعلاقات بين المركز والإقليم، أمر طبيعي، وإلا لكانا حزبا واحدا ولا حاجة لوجود قيادتين أو وجود مؤسسات وكيانات تابعة لكل منهما. ويقولون إن لولا الخلافات لرجع الأمر إلى مكان عليه قبل العام 1965 حينما انشق جلال طالباني وإبراهيم احمد وحلمي شريف، ومعهم غالبية المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني وكوادر وأعضاء في الحزب الذي كان يرأسه آنذاك مصطفى بارزاني، وشكلوا حزباً بنفس الاسم، مع إضافة (م. س)، كرمز للمكتب السياسي.

ومع مرور الزمن، تبلور الانشقاق إلى تكوين حزبين احدهما استمر في حمل الاسم ذاته بينما توحد الآخر مع تنظيمات كردية أخرى باسم «الاتحاد الوطني الكردستاني».

وكان جوهر الخلاف آنذاك اتهام المكتب السياسي لرئيس الحزب مصطفى بارزاني بالتفرد في القرارات والميل إلى الاتجاه العشائري والعائلي والابتعاد عن الشعار «الديمقراطي» الذي يحمله الحزب.

تراجع طالباني

ويرى المراقبون السياسيون أن «القبضة القوية» لقيادة «الديمقراطي» حافظت على وحدته، ولو شكلياً، فيما تعرض الاتحاد الوطني إلى الكثير من الهزات والانتكاسات والانشقاقات بحكم كونه مزيجاً من تنظيمات سياسية عديدة تحمل وجهات نظر قد تكون متباينة ومتناقضة أحيانا.

ويبدو موقع «الاتحاد الوطني»، الذي يرأسه طالباني في إقليم كردستان في تراجع مستمر، وهذا ما كشفته الانتخابات البرلمانية الأخيرةإضافة إلى فقدانه لمواقع رئيسية في معقله الرئيسي، محافظة السليمانيةالأمر الذي جعل الحزب الديمقراطي، برئاسة بارزاني، ينظر إليه كحليف «استراتيجي» ضعيف ولا يصح التعامل معه على قدم المساواة، بالنظر إلى القوى السياسية الأخرى التي ظهرت بقوة في الساحة الكردية، وفي السليمانية بشكل خاص، ولاسيما «حركة التغيير»، التي تعد المنافس الأساسي لحزب طالباني ولا يمكن تجاهلها من قبل أربيل.

معادلة جديدة

ويتهم الاتحاد الوطني الكردستاني شريكه في حكم إقليم كردستان العراق، الحزب الديمقراطي الكردستاني، باستبعاده عن الأمور المهمة في إدارة الإقليم والشؤون الأمنية والسياسات الخارجية، فيما يؤكد قادة في «الديمقراطي» أن بقاء «الاتفاق الاستراتيجي» بين الحزبين رهن بإدخال تعديلات جوهرية عليه فيما يخص تقاسم السلطة وإرساء معادلة جديدة لإدارة الإقليم من مختلف المناحي.

وكشف نائب رئيس حزب الاتحاد الوطني برهم صالح في اجتماع لكوادر الحزب في مدينة أربيل أن النقاش بدأ بين الحزبين لتعديل «الاتفاق الاستراتيجي»، فيما أوضح الناطق باسم المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني جعفر إبراهيم أن الطرفين «توصلا إلى قناعة بأن الاتفاق بحاجة إلى تعديل، وهما مستعدان للبدء بهذه الخطوة».

غير أن مصادر قيادية في كلا الحزبين تشكك في إمكانية حل الخلافات، التي تمتد إلى داخلهما، ليس في الحيز الفكري والأيديولوجي والتحالفات الإقليمية فقط، بل في إطار صراع على المصالح الاقتصادية والنفوذ على مراكز السلطة والحقائب الوزارية بحكومة الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد.

خريطة جديدة

وترجِع مصادر قيادية في «الوطني» تصاعد وتيرة الخلاف بين الجانبين الكرديين إلى الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الاقليم التي أجريت في يوليو 2009 وحقق فيها الحزب الديمقراطي تفوقاً واضحاً على شريكه بخسارة الأخير لجزء واسع من قاعدته الحزبية والانتخابية جرّاء انشقاق القيادي في الحزب وزعيم «حركة التغيير» نوشيروان مصطفى احتجاجاً على السياسة الداخلية. وفي ضوء الخريطة الجديدة،استحوذ الحزب الديمقراطي على الحقائب الرئيسية في حكومة الإقليم والحصة الأكبر من الحقائب الوزاريةالكردية في الحكومة الاتحادية، وبدأ يتصرف من موقع صاحب النفوذ الأقوى في القائمة الكردستانية الفائزة في الانتخابات، في حين لم يحصل حزب «الوطني» على شيء من المناصب المهمة سوى رئاسة الجمهورية.

ومن بين المسائل التي يتم بحث تعديلها في «الاتفاق الاستراتيجي»، إلغاء تقاسم السلطة بالتساوي بين الحزبين والاستعاضة عن هذا المبدأ بتوزيع السلطات بينهما على أساس عدد مقاعد وأصوات كل حزب في الانتخابات، دون التقليل من وزن وحجم وتأثير الخلافات بين الحزبين على تقاسم السلطة ومغانمها.

إقليم السليمانية

ومع اتساع شقة الخلاف وعدم وجود بوادر انفراج، أشارت مصادر قيادية كردية إلى أن قيادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني تفكر جدياً بإنشاء إقليم مستقل عن إدارة إقليم كردستان شمال العراق وضم عدد من مناطق محافظة ديالى كخانقين ومندلي بدعم من الحكومة الاتحادية مقابل علاقات حسن جوار مع إيران المجاورة للإقليم المزمع إقامته واعتماد موقف الحكومة الاتحادية من الأزمة السورية ومراجعة العلاقة مع تركيا، أي بمعنى آخر وضع نهاية لتجربة تقاسم السلطة وبلورة علاقة تحالفية متينة مع حكومة نوري المالكي بما تمثله من بعد إقليمي.

حصة «التغيير»

يرى مراقبون سياسيون أن الخلافات الحادة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني و«حركة التغيير» بشأن توزيع حصة الأحزاب الكردية في الحكومة الاتحادية، طفت على السطح مجدداً، إذ ترى الحركة أنها غبنت في التوزيع، وبأن اللوم في ذلك يقع على رئيس الإقليم بـ«تواطئه مع شركائه في التحالف الكردستاني لاحتكار الساحة السياسية وتحويل بقية القوى المعارضة إلى أحزاب تأتمر بأوامرهم، مع التهديد بحرمانها من جميع المشاركات في مراكز الحكم»، بحسب ما صرح به النائب عن كتلة الحركة في البرلمان الكردستاني بيشهوا توفيق.