يبدو من مجريات الأحداث في تونس أن الصراعات المذهبية عرفت طريقها إلى هذا البلد الذي كان إلى عهد قريب يؤمن بالتعددية، ولم نكن نسمع أي صراع من هذا النوع ويظهر ذلك جلياً في ارتفاع أصوات تدعو إلى تكفير العلمانيين ومنع العروض الفنية، وهو ما أكدته وزارة الثقافة التونسية في بيان ذكرت فيه أن «تواتر اعتداءات السلفيين على التظاهرات الثقافية ينذر باحتقان مذهبي غريب عن المجتمع التونسي المعروف بوسطيته واعتداله»

وفي حين دعت الوزارة جميع الأطراف إلى التصدي لمثل هذه الظواهر المتطرفة وإلى محاسبة الأطراف المتورطة وعدم التسامح معها، يخشى المراقبون من أن تتحوّل تونس إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والثقافية بين القوى الإقليمية والدولية.

حيث بدأت الولاءات تتوزع بين أطراف خارجية متناحرة في ظل تراجع هيبة الدولة واتساع ظاهرة التدخل الخارجي في البلاد، ما جعل منها ساحة للقوى والاتجاهات الفكرية والمذهبية المتناقضة، وبات المشهد السياسي للمشرق العربي يلقي بظلاله على الساحة التونسية في الوقت الذي تعجز فيه حركة النهضة الإسلامية الحاكمة على صد التيارات السلفية المتطرفة ، مما جعل المراقبين يعتقدون أن هناك تنسيقا بين الحركة التي تنتمي إلى التنظيم العالمي للإخوان المسلمين والتيارات السلفية في ظل انسجام مواقفهما إزاء الأوضاع في سوريا وضد المشروع الحداثي في تونس، واستعدادا للانتخابات المنتظرة.

أدوات معارك

وقال أحد زعماء السلفية الجهادية: «نريد لهم أن يكونوا أدوات لخوض المعارك لا شيوخ دين للإفتاء، ومعرفتهم بأصول الدين ستجعلهم يترددون في كثير من المهمات التي نوكلها إليهم».

وتحّول عدد كبير من البطلجية وذوي السوابق العدلية والمهرّبين والخارجين على القانون إلى «جهاديين» يحصلون على المال من جهات داخلية وخارجية مقابل تحولهم إلى عناصر في ميليشيات مستعدة للدفاع عن خيارات جديدة يراد لها أن تهيمن على تونس والمنطقة.

رقعة العنف

إلى ذلك، تحولت الانتقادات والشتائم الصادرة عن محسوبين على التيار السلفي المتشدد إلى أعمال عنف شهدتها مدينة بنزرت، عندما تم منع بقوة العصي والهروات، مهرجان لنصرة القدس شارك فيه المعتقل اللبناني السابق في السجون الإسرائيلية سمير القنطار.

كما تم منع مسيرة سلمية في مدينة قابس لإحياء مناسبة يوم القدس العالمي وتضامناً مع فلسطين. ومنع سلفيون في 15 أغسطس الجاري فرقة موسيقية إيرانية من تقديم عرض في اختتام المهرجان الدولي للموسيقى الصوفية والروحية بولاية القيروان.

وبينما شدد أمير تنظيم «أنصار الشريعة» في تونس المعروف بولائه لتنظيم القاعدة، في خطبة العيد أنه سيعتمد أي خيار يتاح له من أجل تمرير مذهبه.. حذر القيادي البارز في حركة النهضة الاسلامية عبدالفتاح مورو في تصريح لإذاعة شمس «إف.إم» الخاصة مما وصفه «فتنة مذهبية» في البلاد.

وكانت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان المستقلة حذرت من أن المجموعات السلفية «العنيفة والخارجة على القانون والفالتة من العقاب تصول لتنشر الرعب وتعنف مادياً ومعنوياً النساء والمثقفين والصحافيين والمبدعين والنقابيين والسياسيين ومناضلي حقوق الإنسان ولتعتدي على الحرية الأكاديمية وعلى المؤسسات».

 

إرهاب فكري

 

أكد الإعلامي التونسي سفيان بن فرحات الذي يعمل في صحيفة «لا بريس» الناطقة باللغة الفرنسية أنه تلقى تهديدات بالقتل من أحد المتطرفين، وحذر من دخول بلاده في مرحلة الإرهاب الفكري.

وأوضح سفيان بن فرحات في تصريحات بثتها إذاعة شمس «إف.إم» التونسية أن ضابطا من الجيش التونسي برتبة عميد هو الذي هدده بالقتل.

ورفض بن فرحات الكشف عن اسم هذا الضابط، واكتفى بالقول إن «تونس بدأت تدخل في مرحلة الإرهاب الفكري».

واعتبر بن فرحات أن قطاع الإعلام التونسي «يشهد موجة من المزايدات والمساومات من خلال محاولة شراء ذمم بعض الصحافيين المتميزين وإن لم يرضخوا يتم تشويه سمعتهم والتشهير بهم». وانتقد في هذا السياق الحكومة التونسية بقوله: «لا يجب أن ترمي الحكومة فشلها على عاتق الإعلام لأنه مرآة للواقع لا أكثر»، داعيا إياها إلى طرح ملف القائمة السوداء للصحافيين على القضاء.