صعدت عمليات الخطف المتبادلة بين نشطاء المعارضة السورية ومسلحين شيعة في لبنان التوترات وعززت المخاوف من امتداد ما يحدث في سوريا الى جارتها الصغيرة التي تروعها ذكرى الحرب الاهلية. وعلى الرغم من جهود الحكومة اللبنانية لابعاد البلاد عن الاضطرابات في سوريا التي كان لها نفوذ قوي على الساحة السياسية والامنية اللبنانية منذ عقود، شهد لبنان اشتباكات مسلحة في أكبر مدينتين لبنانيتين، ومنذ أيام اعلنت الحكومة عن خطة سورية لزعزعة استقرار البلاد. وكان منظر الرجال المسلحين الملثمين في العاصمة بيروت وهم يعلنون عن خطف 20 سوريا في وضح النهار قرب المطار علامة فارقة اخرى على ان ما يحدث في سوريا يمتد الى لبنان. وأعلنت عائلة المقداد الشيعية وقف أعمال الخطف التي تقوم بها قائلة ان لديها ما يكفي من الرهائن للضغط من اجل الافراج عن قريب لهم يحتجزه معارضون في دمشق. وعلى الرغم من ان تلك الحوادث لا تنذر بانزلاق لبنان الوشيك الى الصراع الا انها تبرز ضعف مؤسسات الدولة وتشير الى مستقبل غير مستقر للدولة التي يعيش فيها أربعة ملايين. وكان خطف الاجانب من السمات الرئيسية للحرب الاهلية في لبنان. كما اعاد الظهور الجريء العلني لرجال مسلحين ملثمين، دون اي تحرك من جانب قوات الامن الى الاذهان، الفوضى التي عمت لبنان خلال الحرب الاهلية التي استمرت من العام 1975 الى 1990. ويرأس رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، وهو سني، حكومة يشغل فيها حزب الله الشيعي وحلفاؤه من الشيعة والمسيحيين وجميعهم مؤيدون للرئيس السوري بشار الاسد نصف الحقائب الوزارية. وحزب الله هو الفصيل اللبناني الوحيد المسلح الذي لم ينزع سلاحه بعد الحرب الاهلية، وهو أكبر قوة قتالية في لبنان، حيث دعا خصومه دون جدوى الى وضع ترسانته العسكرية تحت سيطرة الدولة. ويقف غالبية معارضي الحزب بقوة خلف الانتفاضة السورية. ويتم تهريب السلاح الى مقاتلي المعارضة منذ بدء الانتفاضة السورية في مارس من العام الماضي من مناطق الحدود السنية في شمال لبنان ومن وادي البقاع.

سلطة الدولة

وجرأت المتاعب التي يواجهها الرئيس السوري بشار الاسد بعض معارضيه في لبنان، حيث قد يسعى مسلمون سنة الى الضغط من اجل تحقيق مكاسب سياسية ضد حزب الله الذي سيضعف في حالة سقوط الرئيس السوري. لكن المحللين يرون ان كل الاطراف في صراع لبناني محتمل تعرف انها ستخسر الكثير من وقوع مواجهة شاملة وهو ما مكن هذه الاطراف من التراجع عن حافة الهاوية خلال مواجهات سياسية عدة في الأعوام الماضية. ويقول ايهم كمال من مجموعة «اوراسيا» الاستشارية: «هذا سيكون له تأثير سلبي على سلطة الدولة وعلى الجيش وعلى مناخ الاعمال في لبنان. امكانية نشوب حرب اهلية مازالت متدنية الآن لكن الوصول الى هذه المرحلة تطور مثير للقلق جدا». وفي مواجهة هذه الاحتمالات، يسعى فيما يبدو الزعماء السياسيون المنقسمون في لبنان الى تفادي تصعيد التوترات. وقال رامي خوري المعلق السياسي المقيم في بيروت ان «كل الشواهد خلال السبعة او الثمانية اعوام تشير الى ان كل الاطراف في لبنان ستبذل قصارى جهدها لمنع انزلاق البلاد الى حرب أهلية شاملة». لكن عمليات الخطف التي جرت هذا الاسبوع التي نفذتها جماعة هي خارج سيطرة الدولة، تحذير من ان اعمال العنف في الشوارع قد تكتسب زخما من تلقاء نفسها. ويستطرد خوري ان الدولة اللبنانية «ليست دولة قوية مركزية فهناك اناس خارج سيطرة الدولة سواء كان حزب الله او جماعات صغيرة مثل تلك الميليشيات التي تنتمي الى اسر بعينها وتعمل في المجتمع». وأضاف ان «الخوف هو ان تتصاعد مثل هذه الحوادث وتخرج عن نطاق السيطرة وحينها يحدث صراع مسلح في الشوارع».

توترات

أدت التوترات بسبب الأحداث في سوريا الى اشتباكات سقط خلالها قتلى في مدينة طرابلس الشمالية التي تسكنها غالبية من السنة منذ ثلاثة اشهر وهي مدينة تسكنها ايضا اقلية علوية لبنانية من أشد مؤيدي النظام السوري. وفجر خطف 11 لبنانيا شيعيا في شمال سوريا في مايو الماضي احتجاجات في شوارع بيروت.