لم تكن الحريات الدينية والشخصية وحرية المرأة موضوعات مطروحة للجدل والنقاش على الطاولات قبل 14 يناير 2011 كما هي عليه اليوم، إذ غيرت ثورة الياسمين معطيات كثيرة، فقبلها لم يكن المجتمع التونسي على ما يرى مراقبون منقسما بين إسلاميين يكفّرون العلمانيين، وعلمانيين يعتبرون الإسلاميين ثلة تعيش خارج العصر، فضلاً عن أنّها لم تكن تابعة للقرار السياسي الخارجي كما الآن على حد تعبيرهم، مشيرين إلى أنّها فقدت استقلالية الموقف بشكل غير مسبوق، وأضحت ديبلوماسيتها صدى للمشاريع الإقليمية و الدولية في آن، ما حدا بأحد المحسوبين على النظام السابق يقول بصوت عال: « تقولون عنا أننا أزلام بن علي ، وعليكم أن تدركوا مسألة مهمة وهي أننا عندما نكون أزلاما لنظام تونسي أفضل من أن نكون أتباعا لأطراف خارجية مشبوهة » ويشكو التونسيون غياب هيبة الدولة، إلى حد حدا بالنائب عن الكتلة الديمقراطية في المجلس التأسيسي محمد البارودي إلى الحديث عمّا أسماه «تحوّل تونس إلى إحدى جمهوريات الموز»، في استخفاف بالواقع الجديد في ظل حكم الائتلاف الثلاثي بقيادة حركة النهضة الاسلامية ، التي تمثل الجناح التونسي للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين. في الوقت ذاته، تشهد البلاد صراع رؤى وأفكار وتطاحن أيدولوجيات، ففي وقت تسعى أطراف إسلامية إلى تغيير النموذج الاجتماعي في البلاد، قال عادل العلمي رئيس جمعية الدعوة والإصلاح المدعومة من قبل حركة النهضة، أنّ «هناك اتجاها لفرض الحجاب على التونسيات»، وذلك في أعقاب بدء الجمعية ممارسة دور الشرطة الأخلاقية عبر افتتاحها فروعاً في عدد من مناطق البلاد، لتأدية دور رسمته لنفسها بأن تكون « مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» على حد قول مسؤولها الأول.
الأمر لا يقف عند هذه الحدود بل يتعداها إلى مضايقات باتت تعانيها المرأة التونسية في الشارع بسبب ما ترتديه، في مشهد لم يكن مألوفاً ما قبل ثورة 14 يناير.
ثورة نساء
ولم تجد النساء بداً من الخروج في مسيرات غضب 13 أغسطس الجاري في مناسبة عيد المرأة رافعات شعارات ضد محاولات حركة النهضة الإسلامية الحاكمة إلغاء مبدأ المساواة الجنسين في الدستور الجديد، في وقت نادت أطراف إسلامية بالتراجع عن حرية المرأة، إذ قال زعيم حزب الانفتاح والوفاء بحري الجلاصي إنّ «قانون الأحوال الشخصية يمثّل دماراً للمرأة والمجتمع وعلى الدولة منع الاختلاط بين الجنسين»، لافتاً إلى استحالة إقرار مبدأ المــساواة بين الجنسين في الدستور».
ولعل ما أشعل الموقف أكثر وأثار استغرباً وجملة استـــفهامات وجدلاً واسعين تصريحات رئيس حركة النهضة الحاكمة راشد الغنوشي الذي قال: إنّ «من يعادي الحركة يعادي الإسلام»، في أمر وصفه المراقبون بأنّه أبلغ تعبير عن وضع الخطاب السياسي في البلاد ولغة الإقصاء التي بدأت تسود باسم الإسلام.
أزمة تكفير
وليس مضايقات النساء ومحاولة الردة على حقوقهن السياسية والاجتماعية وغيرها هي المؤرق الوحيد في الشارع التونسي على ما يرى كثيرون، إذ يرون أنّ الأمر تجاوز هذا المنحى إلى التكفير وإهدار الدام مستدلين بحالة السباح العالمي أسامة الملولي صاحب الميداليتين الذهبيتين في أولمبياد الصين 2008 ولندن 2012، فيما يشيرون كذلك إلى تعرّض الممثل لطفي العبدلي إلى المنع من عرض مسرحيته في مدينة منزل بورقيبة من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة، وقال العبدلي لــ «البيان» إن الحكومة «أصبحت الحكومة تعتمد على ميلشياتها في محاربة الفن والإبداع»، فيما شهدت تونس خلال الشهور الماضية اعتداءات على فرق فنية وفنانين بسبب مواقفهم السياسية.
بقية مؤرقات
كما يقف العنف اللفظي والجسدي والذي أضحى سمة الشارع اليومية وارتفاع معدلات الجريمة لاسيما جرائم القتل والسرقة والسطو في ظل حالة الانفلات الأمني، وتراجع دور رجال الأمن وارتفاع معدل الأمراض النفسية في المجتمع التونسي على رأس التحديات التي تواجه البلاد في أعقاب التغيير السياسي الشامل الذي طالها.
اتهامات
تتهم المعارضة حكام تونس الجدد بممارسة التسوّل السياسي في الخارج، إذ يشير مراقبون إلى أنّها «ظاهرة جديدة ولدت مع تولى الحكام الجديد مقود البلاد، ما جعل تونس اليوم تبدو وكأنها دولة فقيرة وشعب جائع و حكومة عاجزة».
وقال النائب إبراهيم القصاص « لقد كانت تونس دائما دولة ذات كرامة ، و اليوم تحوّلت الى دولة تابعة تمد يديها لتتسوّل و لتطلب المعونات ، أنه آمر مؤسف حقّا».