وصفت مشاركة الأكراد السوريين في الثورة السورية منذ اندلاعها بأنها لم ترق إلى مستوى توقعات الخبراء والمراقبين من جهة حرمانهم لأبسط الحقوق الثقافية والسياسية. وثمة طرفان رئيسيان ينشطان في الساحة السياسيّة الكردية الآن، أولهما المجلس الوطني الكردي الذي يضم 16 عشر حزباً كردياً في سوريا، والطرف الآخر هو حزب الاتحاد الديموقراطي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا. وتسعى التنسيقيات الشبابية التي تنحاز إلى الجيش الحر والمجلس الوطني السوري شق طريق لها في الساحة السياسية الكردية.

وجاءت انسحابات الكتلة الكردية من مؤتمرات المعارضة في اسطنبول والقاهرة بمثابة عامل ضغط على القوى الكردية الكبرى، ليتوحد هذان التياران الأساسيان تحت مظلة «الهيئة الكردية العليا»، التي تأسست في يوليو الماضي نتيجة «اعلان هولير» برعاية رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني. وتسعى الاتفاقية إلى توحيد صف الحركة السياسية وردم الفجوة من الناحية الميدانية بين التيارات المتصارعة، إلا أن الخلافات الميدانية المتعلقة في شكل التظاهرات ورفع الأعلام والرموز الحزبية والفئوية ما زالت طافية على السطح.

مواقف وتغييرات

فحزب الاتحاد الديمقراطي يتحرك بموجب «مشروع الإدارة الذاتية» المستوحى من أفكار زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في السجون التركية عبدالله أوجلان. ويتحرك الحزب في المدن الكردية الشمالية الشرقية بمنطق تأسيس مؤسسات ثقافية وخدمية وعسكرية، وهو القوة العسكرية الوحيدة على الساحة الكردية. وهذه الإرهاصات، قد تشكل لبنة في بناء الإدارة الذاتية في المناطق الحدودية مع تركيا، ما يثير مخاوف تركيا من انتقال هذه العدوى إلى أكرادها الذين يبلغ عددهم 20 مليوناً.

ومنذ اندلاع الثورة السورية، اتخذ «الاتحاد الديمقراطي» موقفا ضبابيا من النظام والمعارضة معاً. فهو يعلن في برنامجه السياسي وخطابه الإعلامي أنه يقف على مسافة واحدة من النظام والمعارضة الخارجية المتمثلة في المجلس الوطني السوري بسبب عدم اعترافهما بحقوق الأكراد كشعب في سوريا.

وبحسب المعلومات الميدانية من حلب وريفها، فإن تغييرات طرأت على مواقف الحزب في الآونة الأخيرة، حيث تم التنسيق بين الجيش الحر وعناصر «الحماية الشعبية» التابعة للحزب لطرد أعوان النظام من المدن الكردية مثل كوباني. كما فتح عناصر الحزب الباب أمام الفارين من الجيش النظامي في حلب للإيواء في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين.

اتهامات كردية

ولكن النشطاء الأكراد يتهمون حزب الاتحاد الديمقراطي بأنه يدار مباشرة من قبل حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي ينفيه الحزب. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب الكردي فواز أيو: «حزب العمال الكردستاني موجود جماهيريا في كردستان الغربية (شمال شرقي سوريا)، ومن المعروف أنه قضى قرابة عشرين عاماً في سوريا ولبنان واندمج مع الشعب الكردي في سوريا، الذي قدم أكثر من 12000 قتيل في العمليات العسكرية ضد الجيش التركي». ويضيف: «المعلومات المؤكدة تشير إلى أن العديد من مقاتلي الحزب، ذي الأصول السورية، عادوا الى سوريا بمهمة حماية الشعب الكردي من أية هجمات». ويردف: «وهؤلاء يقدر عددهم بعدة آلاف، فيما أضر تركهم القتال على الساحة التركية بحجم تواجد حزب العمال الكردستاني عسكرياً فيها».

تقديرات وعامل

وتشير التقديرات إلى أن «الاتحاد الديمقراطي» ينشط في مدينتي عفرين وكوباني والأحياء الكردية في مدينة حلب في الشمال، بينما يتفوق قليلا المجلس الوطني الكردي في محافظة الحسكة في الشمال الشرقي لسوريا. ويعتبر «الاتحاد الديمقراطي» أكثر تنظيماً، ويساعده في ذلك ميراث حزب العمال الكردستاني أثناء فترة تواجده إبان حكم الرئيس حافظ الأسد، في وقت كان يحظر على الأحزاب الكردية أي نشاط سياسي وثقافي. أما المجلس الوطني الكردي، فيفضل تحقيق الأهداف السياسية للأكراد بزخم وتوافق وطني سوري، ومنح الوضع الكرديّ السوريّ نوعاً من الاستقلالية عن تفاعلاته مع الدول الإقليميّة. وبصرف النظر عن التناحرات الداخلية بين الأكراد في سوريا، فإن المراقبين يرون أن العامل الكردي في الثورة السورية هو بنفس أهمية العامل الكردي في العراق، وأنه من الممكن أن تعيد القضية الكردية رسم اتفاقية سايكس بيكو 1916.

«العمال الكردستاني»

قال قائد الجناح العسكري في حزب العمال الكردستاني باهوز أردال ان حزبه لم يتدخل في الشأن السوري «حتى الآن»، وانه «يدعم تطلعات الشعب السوري نحو الحرية». وقال أردال في حوار أجرته معه صحيفة «السفير» اللبنانية إن الشعب السوري «بعربه وأكراده لن يرحب بالتدخل التركي، ونحن لن نقف مكتوفي الأيدي في حال حدوث أي تدخل تركي». واضاف: «نرى أن القتال في سوريا تجاوز كونه قتالاً بين المعارضة والسلطة، فهناك تدخل مباشر للقوى الإقليمية والدولية في سير العمليات القتالية، ويمكن تسمية ما يحصل في سوريا بأنه حرب على سوريا».