دخلت العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الكويت منحى جديداً، بعد قرار الحكومة تحويل الدوائر الانتخابية الخمس إلى المحكمة الدستورية، رغم تحذيرات أغلبية الكتل السياسية والقوى الشبابية للبت في قانونيتها، تمهيداً لإجراء تعديلات جذرية على النظام الانتخابي.
ونتيجة لكون قضية الدوائر العصب الرئيسي في المنظومة الانتخابية لإنها هي من يحدد بنية وتركيبة وديموغرافية الناخبين، فقد ظلت تلك القضية مطروحة على الساحة السياسية طيلة مسيرة الحياة الديمقراطية.
حتى أفضت إلى تبني الحكومة لنظام الخمس دوائر العام 2006، بعد ثورة شبابية أُطلق عليها الثورة البرتقالية، في محاولة للقضاء على آفات وسلبيات العملية الديمقراطية التي كانت منتشرة في نظام الـ 25 دائرة، ولكبح جماح الطلبات النيابية والكتل السياسية التي تقدمت بمقترحات لتعديل النظام القائم إلى الدائرة الواحدة وهو الأمر الذي سيصعّب من عملية التحكم الحكومي الذي تسعى إليه السلطة.
وبينما تؤكد الحكومة ان دراسة تعديل الدوائر الذي سيعقب حكم المحكمة الدستورية يأتي لتحقيق العدالة والمساواة بين الدوائر الانتخابية والخروج من أي مثالب قانونية أو دستورية.
يرى الطرف المقابل ان الخطوات التي جاءت في أعقاب حكم المحكمة الدستورية مدروس، وتهدف إلى إضعاف كتلة الأغلبية في مجلس 2012 وسهولة التحكم بالتوزيعة الجديدة للدوائر أو على الأقل إعطاء فرص أكبر للموالين للحكومة من غير التيارات الإسلامية والمعارضة التقليدية.
وتقوم الدراسة التي أعدتها لجنة حكومية مختصة على أساس التوزيع المناطقي وأعداد الناخبين في كل دائرة، بحيث يتساوى عدد الأصوات في الدوائر والمناطق بما يحقق مبدأ العدالة والمساواة بين جميع الدوائر الانتخابية وفقاً للنظام المعمول به حالياً بـ 5 دوائر لكن بصوت واحد لكل ناخب، ومن دون تغيير في التركيبة السكانية لأي دائرة.
ولعل الحكومة ترى ان تعديل الدوائر الانتخابية يكمن في ثلاثة أسباب جوهرية، الأول: أن إجراء الانتخابات على أساس الدوائر القائمة، إذا طعن به، فمآله إلى الحكم بعدم دستوريته وإبطال أي انتخابات مقبلة تتم بناءً عليه.
والثاني: أن وجود نظام انتخابي عادل ونزيه ويحقق المواطنة الدستورية بات أمراً مستحقاً بعد أن تمزق البلد أشلاء بسبب الخطاب أو الاستقطاب الفئوي قبلياً أو طائفياً أو فئوياً أو مناطقياً، والثالث: أنه سبق لمعظم أعضاء مجلس الأمة أن تقدموا باقتراحات بقوانين شعوراً منهم أن نظام الدوائر الحالي هو سبب اعتلال العمل البرلماني وإفرازاته السلبية.
العشر الأواخر
ونتيجة لمعرفة الحكومة المسبقة بنتائج هذا الإجراء الذي سيصل بالصّدام مع المعارضة والقوى الشبابية إلى مداه، فقد حاولت تخفيف حدة رد الفعل الأولية عبر الإعلان عن قرار الإحالة في بداية العشر الأواخر من رمضان لتضمن عدم تشكيل رأي عام مضاد واسع النطاق .
خاصة مع اتصال العشر الأواخر بإجازة عيد الفطر، لإعطائها فرصة أكبر في التخطيط والتعامل مع أي تصعيد ميداني، بدأت بوادره ليل الخميس الجمعة من خلال تجمع العشرات في ساحة الإرادة للتعبير عن رفضهم الإجراءات الحكومية.
معركة تسخن
ان نبرة الهجوم العالية والشديدة من الأغلبية بصقورها وحمائمها والتهديد بالمقاطعة والاعتصامات السلمية واللجوء إلى الشارع تشير إلى معركة جديدة بدأت تصّوب سهامها نحو الشيخ جابر المبارك خاصة بعد التذكير بما حدث مع الشيخ ناصر المحمد، من قَبل وإزاحته عبر تجييش الشارع، أو على الأقل ضمان خسارة الحكومة شعبياً ان واصلت تعديل النظام الانتخابي دون اللجوء إلى مجلس الأمة أو من خلال إجراء استفتاء عام.
تطورات مقبلة
الساحة السياسية الكويتية مقبلة على تطورات عديدة من المتوقع أن تبدأ سخونتها بعد عطلة عيد الفطر السعيد، غير ان الكفة ستميل ناحية من سيمسك بخيوط اللعبة السياسية وتقديم البدائل وتطوير لغة الخطاب السياسي القادر على جذب الشباب الذي بدأ يتملل من الخطاب الحكومي والنيابي على السواء، خاصة بعد إعلانه غير مرة أنه لن يكون وقوداً لأي طرف، بل لخلق إصلاحات جذرية أساسها الدستور.
المعارضة تبدأ مباحثات الرد على تحويل الدوائر إلى «الدستورية»
بعد ساعات من إعلان الحكومة إحالة الدوائر الانتخابية إلى المحكمة الدستورية انضّم عدد من الناشطين السياسيين إلى الحركات الشبابية والمواطنين في ساحة الإرادة للتعبير عن رفض انفراد السلطة بتعديل النظام الانتخابي دون تمثيل نيابي، فيما عقدت أقطاب المعارضة والأغلبية في المجلس السابق بمشاركة القوى الشبابية أولى مباحثات الرد على الإجراء الحكومي.
وواصل النواب هجومهم على الحكومة، إذ قال النائب الدكتور وليد الطبطبائي ان قرار مقاطعة الانتخابات المقبلة هو القرار الصائب بعدما تبين أن السلطة تسعى إلى تفصيل مجلس أمة على مقاسها ولا تسعى إلى ديمقراطية صحيحة.
وأضاف الطبطبائي "نقول للحكومتين الخفية والشكلية أما قد وصلت رسالتكم فالرد عليها هو ما سترونه بأعينكم لا ما ستقرأونه، فقد وصل الاستخفاف بإرادة الأمة حداً لايطاق"، لافتاً إلى ان "القضاء الكويتي يتعرض لاختبار عصيب وهو ينظر في ملف الدوائر فهل ينجو من ضغوط للسلطة؟ وهل ينتصر لمبدأ أن الشعب مصدر السلطات؟".
بدوره، أكد النائب في المجلس المبطل د. حمد المطر ان الحكومة بإحالتها الدوائر إلى المحكمة الدستورية أدخلت الكويت بعمد في نفق مظلم وكشفت عن نيتها للانقضاض على الدستور، مشدداً على ضرورة أن تعي الحكومة أن الشعب لن يصمت أمام هذا العبث..
في وقت أكد النائب في المجلس المبطل عمار العجمي أن إقحام القضاء بالصراع السياسي بداية لهدم هذا الصرح، وكسر لهيبة القضاء في نفوس الأمة، محذراً من تداعيات الإجراء الحكومي على البلد واستقراره.
وفي السياق، قال الكاتب أحمد الديين إن من حق الحكومة الذهاب إلى المحكمة الدستورية، لكن من الواضح أن لديها تاريخاً حافلاً من محاولة توريط المحكمة في الصراعات السياسية الدائرة في البلاد.
واعتبر الديين، الذي يعتبر أحد أقطاب التيار الليبرالي، ان مقاطعة الانتخابات هي آخر السبل التي يفترض اللجوء إليها، لافتاً إلى أن المقاطعة ليست أمراً بسيطاً، كما يتصور البعض أو أن يقودها طرف واحد، مشدداً على أهمية الضغط الشعبي لسحب الطعن المقدم من الحكومة.
في المقابل، دعا عضو اللجنة التنسيقية لوثيقة «الأمة مصدر السلطات» حمد العليان إلى أن تكون هناك مبادرة من الكتل النيابية والتيارات السياسية والقوى الشبابية دون تميز في العمل بجبهة وطنية واحدة بعد أن أعلنت الحكومة تقديم طعنها في الدوائر الانتخابية الخمس أمام المحكمة الدستورية.
